ترمب يحاول «تبييض» صفحات من تاريخ أميركا
شهدت الولايات المتحدة مؤخراً وداع القس جيسي جاكسون، الشخصية البارزة في تاريخ السود في أميركا وقائد مؤثر في إشراك الناخبين السود في الحياة السياسية. يعتبر جاكسون، الذي كان أول أمريكي أسود يترشح لرئاسة الجمهورية، شخصية محورية في تشجيع السود على المشاركة في الانتخابات.
يعتقد الكثيرون في الولايات المتحدة أن الرئيس دونالد ترمب، منذ بداية ولايته الثانية، قد أطلق أكبر حملة لـ”تبييض” السجلات التاريخية الأمريكية التي تتضمن فصولاً مؤلمة من تاريخ البلاد. حذر المؤرخ خليل جبران محمد، مؤسس قسم دراسات الأمريكيين الأفارقة بجامعة برينستون، من وضع “لا سابق له” منذ أجيال.
«تبييض» التاريخ: سياسات ترمب وتأثيرها
تزامنت تحضيرات إدارة ترمب المكثفة لإحياء الذكرى الـ250 لتأسيس الجمهورية مع “شهر تاريخ السود” الذي تحتفي به أميركا في فبراير. تشهد هذه الفترة انتشاراً واسعاً لحظر الكتب، وتراجعاً في حقوق التصويت، واعتداءات على مبدأ التنوع، وتقييد تدريس التاريخ الأمريكي الأسود.
تتضمن هذه الاستراتيجية المتعددة الأوجه إلغاء مبادرات التنوع والإنصاف والشمول، وتغييرات في المناهج الدراسية، وفرض رقابة على المعروضات المتحفية. كما أصدرت أوامر تحد من الوصول إلى الأماكن العامة وتراقب وتُعيد كتابة المعروضات التاريخية، لا سيما تلك المتعلقة بتاريخ وتأثير الأمريكيين السود.
شخصيات حركة الحقوق المدنية: إرث مستمر
على الرغم من محاولات “الطمس والمحو” الجارية، لا يزال لشخصيات حركة الحقوق المدنية حضور مؤثر في جميع جوانب الحياة الأمريكية. تشمل هذه الشخصيات شخصيات تعليمية بارزة تساهم في إدماج التاريخ الأسود في مختلف المراحل التعليمية.
شكل الدكتور مارتن لوثر كينغ الابن، الذي بدأ مسيرته كقس شاب في ألاباما، نقطة تحول. قاد مقاطعة حافلات مونتغمري، التي أطلقت شرارة حركة الحقوق المدنية المعاصرة، وساهم في تأسيس “مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية”.
أثر كينغ وغيره من الرواد
ساهمت احتجاجات كينغ ونضالاته السلمية في إعادة تشكيل صورة أمريكا كديمقراطية متعددة الأعراق، خاصة بعد خطابه الشهير “لدي حلم” عام 1963. توسعت اهتماماته لتشمل العدالة الاقتصادية ومعارضة حرب فيتنام. بعد اغتياله عام 1968، أصبح يوم ميلاده عطلة وطنية أمريكية.
إلى جانب كينغ، لعب القس البروتستانتي رالف أبيرناثي دوراً قيادياً في مقاطعة حافلات ألاباما، وتعرض منزله وكنيسته للتفجير. بعد اغتيال كينغ، تولى قيادة “حملة الفقراء” وترأس “مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية”.
كما برزت روزا باركس، الناشطة في مجال الحقوق المدنية، برفضها التنازل عن مقعدها لراكب أبيض في حافلة. أدت حملتها إلى إلغاء قانون الفصل العنصري في الحافلات، وأصبحت أول امرأة يتم عرض جثمانها في الكابيتول الأمريكي.
جيسي جاكسون: مسيرة نضال لا تُنسى
لمحظ جيسي جاكسون، ومن سلالة العبيد، شرف عرض جثمانه في الكابيتول الأمريكي بعد وفاته، وهو ما رفضه رئيس مجلس النواب مايك جونسون. انخرط جاكسون في الاعتصامات السلمية خلال دراسته الجامعية وانضم إلى “مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية”.
أسس جاكسون منظمة “عملية الدفع” عام 1971، وساهم في تسجيل الناخبين، مما أدى إلى انتخاب هارولد واشنطن كأول عمدة أسود لشيكاغو. كما ترشح للرئاسة عامي 1984 و1988، وحصل على ملايين الأصوات في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.
أسماء لامعة أخرى في النضال
مثل جاكسون، كان المشرع جون لويس من رواد “ركاب الحرية” عام 1961، وساعد في تأسيس “لجنة التنسيق الطلابية اللاعنفية”. كما تعرض للضرب على يد الشرطة خلال مسيرة “الأحد الدامي”.
أصبح مالكوم إكس رمزاً وزعيماً للحركة الوطنية السوداء، وقدم بديلاً عن كينغ برفضه اللاعنف، داعياً إلى الانفصال عن المجتمع الأبيض. لاحقاً، غير مواقفه ودعا إلى جبهة موحدة مع قادة مثل كينغ. اغتيل إكس على يد أعضاء من حركة “أمة الإسلام”.
كما يُعد أميري بركة، الذي يُعتبر فناناً ثائراً، واحداً من أبرز الكتاب الأفرو-أمريكيين الذين أشعلوا شرارة النهضة الثانية للسود في الستينات.
ضغوط على الجامعات الأمريكية
تؤدي ضغوط ترمب المتواصلة على الجامعات الأمريكية وتهديداته بقطع التمويل الفيدرالي إلى أزمة أكاديمية وقانونية. تعرض جبران محمد، وهو من أبرز المستهدفين، لجلسة استجواب في الكونغرس بسبب مقرراته الدراسية حول العرق والعنصرية.
انعكست ضغوط إدارة ترمب وحكم المحكمة العليا لعام 2023، الذي منع القبول على أساس “التمييز الإيجابي”، على نسبة الطلاب السود الملتحقين بجامعة هارفارد. انخفضت النسبة للعام الثاني على التوالي، بينما ارتفعت نسبة الطلاب من أصول آسيوية.
استهداف مفهوم «التنوع»
جعل ترمب من “التنوع” هدفاً شاملاً، وأثرت تخفيضاته في القوى العاملة الفيدرالية بشكل غير متناسب على الموظفين السود. جرى “تطهير” المكتبات من كتابات مؤلفين سود، وكانت الذريعة تركيز “مؤسسة سميثسونيان” المفرط على “بشاعة الرق”.
وصف كلينت سميث، مؤلف كتاب “كيف تُنقل الكلمة”، أحد القرارات التنفيذية لترمب بأنه تذكير برواية “1984” لجورج أورويل، حيث يتم تبسيط قضية الرق وفصل حركة الحقوق المدنية عن سياقها التاريخي.
ماذا بعد؟
تشكل التحديات المتعلقة بإعادة تعريف التاريخ الأمريكي أمام جهود “التبييض” و”المحو” أحد أبرز التحديات التي تواجه الأوساط الثقافية والتعليمية في الولايات المتحدة. من المتوقع أن تستمر هذه الضغوط، مع ترقب التطورات المستقبلية في سياسات الإدارة الأمريكية ومدى تأثيرها على رواية التاريخ.






























