تصدّر السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين الأضواء مؤخرًا بصفته المرشح الأبرز لقيادة وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، في خطوة يراها كثيرون تعكس توجهًا سياسيًا قويًا للرئيس دونالد ترمب. يأتي هذا الترشيح ليخلف الوزيرة كريستي نويم، في وقت تسعى فيه الإدارة الأمريكية لإحكام قبضتها على ملفات الهجرة والأمن الحدودي قبيل انتخابات التجديد النصفي المرتقبة.
اختيار مَلين، الذي لا ينتمي للخلفية الأمنية التقليدية بل لعالم الأعمال والرياضات القتالية، يثير تساؤلات حول قدرته على إدارة جهاز ضخم ومعقد يضم أكثر من 20 وكالة ومئات الآلاف من الموظفين. فهل يكون ماركواين مَلين رجل ضبط مؤسسي أم مجرد رأس حربة سياسي؟
ملف ماركواين مَلين: من أوكلاهوما إلى واشنطن
وُلد ماركواين مَلين في تولسا بولاية أوكلاهوما عام 1977، وهو الأصغر بين سبعة أشقاء. نشأ في بيئة ريفية محافظة وعمل في مزرعة العائلة. بصفته عضوًا في “أمة الشيروكي”، يُعد مَلين أول سيناتور من السكان الأصليين منذ عام 2005، وثاني مواطن من “الشيروكي” يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.
شغل مَلين منصب الممثل الأمريكي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما بين عامي 2013 و 2023. وقد بنى صورته السياسية على أنه “رجل من خارج المؤسسة” يمتلك خبرة في الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة، مستفيدًا من خلفيته في إنقاذ وتوسيع شركة العائلة لأعمال السباكة.
هذه الخلفية جعلته جذابًا داخل الحزب الجمهوري، وخاصة التيار الشعبي المناهض للنخب. فهو يُقدم كنموذج لـ”الأمريكي المنتج” وليس السياسي المحترف، مما يعكس قربه من المزاج المحافظ في أوكلاهوما.
أسلوب “المقاتل الخشن” يثير الجدل
تميز مَلين في واشنطن ليس فقط بخطه المحافظ، بل بأسلوبه الشخصي الصدامي. فكونه مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، بُني حضوره العام على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، والمستعد للمواجهة المباشرة.
تجلى ذلك في نوفمبر 2023 عندما تحدى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، ما رمز إلى شخصيته السياسية الهجومية التي غالبًا ما تضرب عرض الحائط بالخطوط التقليدية للوقار المؤسسي.
يرى الرئيس ترمب في هذه “الصلابة” ميزة، ويؤمن كثير من الجمهوريين بأن وزارة الأمن الداخلي تحتاج إلى شخص “يمسكها بقبضة قوية” بعد أشهر من الفوضى. لكن الديمقراطيين وبعض الجمهوريين يرون في ذلك اندفاعًا قد يزيد من تأزيم الأوضاع داخل الوكالة التي تعمل تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.
“غموض” السيرة الأمنية ومحاولات استعراض البطولة
من أبرز الانتقادات الموجهة لمَلين هي افتقاره للخبرة الإدارية والغموض الذي يحيط بسيرته الأمنية. فقد تحدث مرارًا عن “مهمات خاصة” ووجوده في “بيئات حرب” بالخارج، وعن دفاعه عن مبنى الكابيتول يوم 6 يناير 2021، مدعيًا أنه كان في ظروف مماثلة من قبل. إلا أنه أحجم عن تقديم تفاصيل، وعندما سُئل، أوضح أن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود ورحلات وفود برلمانية.
هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر جعل منتقديه يتحدثون عن محاولة لـ “صناعة رصيد بطولة ضمني” لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.
كما يرتبط بذلك “حكاية أفغانستان” في صيف 2021، حيث حاول مَلين الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أمريكيين بعد الانسحاب الفوضوي. يرى مؤيدوه ذلك دليلاً على نزعة للمبادرة، فيما يراه منتقدوه ميلاً للأداء الفردي الملتبس.
الولاء لترمب وتحديات وزارة الأمن الداخلي
يُقرأ مَلين سياسيًا كحليف شديد الوفاء لترمب. فعلى الرغم من محاولته تقديم نفسه كشخص استشعر الخطر في أحداث الكابيتول، فقد بقي ضمن الدائرة المخلصة لترمب سياسيًا. هذا الولاء يطمئن البيت الأبيض ويدفع الديمقراطيين للاقتناع بأن تغيير الوزير لن يعني تغييرًا حقيقيًا في السياسات، خاصة في ملفات الهجرة حيث يتطابق ماركواين مَلين مع خط الإدارة.
يرث مَلين وزارة مضطربة بعد خروج كريستي نويم، التي تعرضت لانتقادات بسبب مقتل مواطنين أمريكيين في مينيابوليس خلال عمليات إنفاذ الهجرة، والغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA)، وتأخر المساعدات. كما اشتكى الجمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس.
يواجه مَلين تحديات كبيرة تتضمن نزاعات أدت إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغطًا ديمقراطيًا لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجعًا في الرأي العام تجاه أساليب وكالة إنفاذ الهجرة والجمارك (ICE).
ماذا ينتظر مَلين؟ اختبارات حاسمة قبل انتخابات نوفمبر
من المرجح ألا يقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات فورية: أولًا، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة FEMA والرد على شكاوى الكونغرس؟ ثانيًا، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة أو تخفيف حدة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟ وثالثًا، هل يتمكن من مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟
حدود نجاح مَلين واضحة؛ فالكثير من الديمقراطيين سيستخدمونه كمنصة لإبراز ما يعتبرونه “قانونية منفلتة” داخل ICE ووكالة الجمارك وحماية الحدود (CBP). افتقاره للخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد.
أي محاولة منه لتقديم نفسه كإصلاحي معتدل ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل لخط البيت الأبيض سيدعم الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون. لذا، يُرجّح أن يكون مَلين “وزير احتواء” أكثر منه “وزير إعادة تأسيس”؛ أي تنظيم الفوضى وترميم صورة التشدد، لا تغيير الاتجاه أو التخلي عنه.
































