باريس – أسفرت الانتخابات البلدية الفرنسية التي جرت جولتيها يومي 15 و22 مارس (آذار) الحالي عن خريطة سياسية محدّثة، إثر تجديد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي. شارك نحو 28 مليون ناخب في هذا الاستحقاق، الذي يكتسب أهمية خاصة كونه يأتي قبل عام واحد من الانتخابات الرئاسية لعام 2027، مما يجعله اختباراً لصحة التوازنات السياسية الحالية. بلغت نسبة المشاركة في الجولة الثانية حوالي 57%، وهي نسبة أعلى من انتخابات 2020 التي تأثرت بجائحة كوفيد-19، لكنها لا تزال أقل من نسبة 62% المسجلة في عام 2014.
أظهرت النتائج تعزيزاً ملحوظاً للحزب الاشتراكي، الذي نجح في الحفاظ على معاقله الحضرية الكبرى. ففي العاصمة باريس، حقق المرشح الاشتراكي إيمانويل غريغوار فوزاً حاسماً على منافسته رشيدة داتي. وعلى الرغم من دعم رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون لداتي، إلا أن غريغوار حصد 50.52% من الأصوات مقابل 41.52% لمنافسته. هذا الفوز في باريس، الذي اعتبره محللون هزيمة مفاجئة لداتي، عزز موقع الاشتراكيين.
الانتخابات البلدية الفرنسية: مكاسب الاشتراكيين وتوسّع اليمين
إلى جانب باريس، تمكن الاشتراكيون من تأكيد سيطرتهم على مدن رئيسية مثل ليل، ورين، ونانت، وتولوز، وستراسبورغ. كما نجح عمدة مرسيليا الاشتراكي بونوا بايان في الفوز بولاية جديدة. ومع ذلك، لم تخلُ النتائج من مطبات، حيث تسببت الاستراتيجيات التحالفية مع حزب “فرنسا الأبية” في خسائر لبعض المرشحين الاشتراكيين، مما أثار جدلاً داخلياً حول جدوى هذه التحالفات.
في المقابل، حقق حزب الجمهوريين، المحافظ الليبرالي، انتعاشاً في المدن المتوسطة والعواصم الإقليمية، مستعيداً مدناً مثل كليرمون فيران وبيزانسون وليموج وشيربور. ورغم أدائه المتميز في الأقاليم، إلا أن الحزب واجه خيبات في المدن الكبرى. أعرب رئيس الحزب، برونو ريتاييو، عن رضاه عن النتائج، مشيراً إلى أن الجمهوريين هم “الأولون والأوفر عدداً في مجالس البلديات في كل فرنسا”، ولكن التحدي الأكبر يبقى في تحقيق الوحدة استعداداً للانتخابات الرئاسية.
من جانبه، احتفل اليمين المتطرف، ممثلاً في “التجمع الوطني”، بما وصفه رئيس الحزب جوردان بارديلا بأنه “أكبر اختراق في تاريخ الحزب”. فقد اتسع تمثيل الحزب بشكل كبير، حيث أصبح يدير عدداً أكبر من البلديات مقارنة بالانتخابات السابقة، مع توسع جذوره خارج معاقله التقليدية في الجنوب وشمال فرنسا. أبرز هذه المكاسب جاءت في مدينة نيس، حيث تمكن إيريك سيوتي، المتحالف مع “التجمع الوطني”، من إنهاء حكم دام 18 عاماً للعمدة السابق. ومع ذلك، واجه اليمين المتطرف سقفاً صلباً في المدن الكبرى، حيث خسر في تولون ومرسيليا، وفشل في الفوز بمدينة نيم.
سجلت كتلة اليسار الراديكالي “فرنسا الأبية” اختراقاً ملحوظاً بفوزها ببلدية سان-دوني، أكبر بلدية تديرها في منطقة إيل-دو-فرانس. كما انتزع الحزب مدناً أخرى، محققاً توسعاً جغرافياً يتركز بشكل أساسي في الضواحي الشعبية. ويرى البعض أن هذا الأداء يعزز موقع زعيم الحزب، جان-لوك ميلانشون، كمرشح يساري محتمل للرئاسيات القادمة.
كما كشفت الانتخابات عن تحول في بنية الناخبين الفرنسيين المنحدرين من أصول مهاجرة، حيث تقدمت الأحزاب، خاصة “فرنسا الأبية”، بقوائم تضم وجوهاً من هذه الأصول، مما يعكس تزايد تمثيلهم السياسي. هذا الحضور المتزايد يمثل خطوة نحو الانتماء المدني، لكن التحدي الأعمق يبقى في تحويل هذا التمثيل إلى مشاركة انتخابية أوسع.
في المقابل، شهد حزب “الخضر” تراجعاً ملحوظاً بعد موجة النجاحات الاستثنائية في انتخابات 2020. فقد خسر مدناً مهمة مثل بوردو وتراجع حضوره في مدن أخرى. يُعزى هذا التراجع إلى تضمن برامج الأحزاب الأخرى للقضايا البيئية، بالإضافة إلى قلق الناخبين من تكاليف التحولات البيئية.
أما عن الوسط وحزبي “رينيسانس” و”أوريزون” الداعمين للرئيس ماكرون، فقد كان أداؤهما متبايناً. حققت الكتلة الوسطية الاحتفاظ بمدن كبرى وانتزاع أخرى، لكنها خسرت في نيس، وفشلت في تحقيق مكاسب في باريس. يشير رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إلى أن صناديق الاقتراع لم تتوج أحداً، مما يعني عدم وجود فائز واضح ومهيمن على الساحة السياسية.
دروس مستفادة والتحديات القادمة
تكشف الانتخابات البلدية الفرنسية عن عدة دروس رئيسية: أولاً، تعمق الشق بين المدن الحضرية الكبرى وفرنسا الإقليمية، حيث عزز اليمين الجمهوري والشعبي حضوره في الأقاليم. ثانياً، الشكوك حول فاعلية الائتلافات اليسارية، إذ تسببت في خسائر ببعض المدن، بينما حققت القوى الاشتراكية التي رفضت الاندماج انتصارات. ثالثاً، “التطبيع المحلي لليمين المتطرف”، الذي بات يمتلك بنية تحتية انتخابية قوية تساعده في الضغط على مسار الانتخابات الوطنية وتسهيل الحصول على التزكيات الرئاسية. وأخيراً، عكس تراجع “الخضر” تحولاً في أولويات الناخبين، حيث تراجعت حدة خطاب التحول البيئي في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ماذا بعد؟ تتجه الأنظار الآن نحو الانتخابات الرئاسية لعام 2027، حيث ستشكل هذه النتائج أرضية سياسية جديدة للأحزاب المتنافسة. يبقى التحدي في قدرة القوى السياسية على توحيد صفوفها، خاصة في مواجهة اليمين المتطرف، وتقديم رؤى واقعية لمعالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تشغل بال الناخبين الفرنسيين.
































