تُلقي «حرب إيران»، التي اندلعت أواخر فبراير، بظلالها الثقيلة على آسيا، مسببةً صدمة اقتصادية واستراتيجية عميقة في اليابان وكوريا الجنوبية. فبعد ساعات قليلة من بدء الأعمال القتالية في الخليج، شهدت الأسواق الآسيوية انهياراً حاداً؛ حيث هوى مؤشر «نيكاي» الياباني بأكثر من 4200 نقطة في جلسة واحدة، وتراجع الين الياباني إلى نحو 160 مقابل الدولار. وفي العاصمة الكورية سيول، سجل مؤشر «كوسبي» أسوأ انهيار له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، بانخفاض بلغ 12 في المائة في يوم واحد، مما يؤكد أن تداعيات حرب إيران على اليابان وكوريا الجنوبية تتجاوز حدود المنطقة.
هذه الانهيارات السريعة ترسل إشارة واضحة بأن الحرب في الخليج ليست مجرد شأن إقليمي، بل هي اختبار وجودي لأمن الطاقة والاستقرار الاستراتيجي في آسيا بأكملها. فالاعتماد النفطي للدولتين يكشف عن هشاشة بنيوية عميقة؛ إذ تستورد اليابان أكثر من 95 في المائة من احتياجاتها النفطية من الخارج، ويعتمد نحو 70 في المائة منها على مضيق هرمز. أما كوريا الجنوبية، فتستورد جميع استهلاكها تقريباً من النفط والغاز المسال، وتعتمد على قطر والإمارات في أكثر من 13 في المائة من وارداتها من الغاز المسال.
تداعيات حرب إيران على اليابان وكوريا الجنوبية: تحديات الطاقة والأمن
يشكل إغلاق مضيق هرمز، الذي هددت به إيران، تهديداً مباشراً لخُمس الإمدادات النفطية العالمية. وقد تم توجيه أكثر من 80 في المائة من النفط والغاز المسال المشحون عبر هرمز عام 2024 إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان. وعندما ضربت الطائرات المسيّرة الإيرانية منشآت قطر في رأس لفان، قفزت أسعار الغاز المسال الفورية في آسيا لتتجاوز 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، مسجلة أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات.
في تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، أوضحت الدكتورة فاليري نيكيه، الباحثة المتخصصة في الدراسات الآسيوية بـ«مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية» في باريس، أن الاحتياطيات الاستراتيجية ليست حلاً مستداماً، خاصة وأن النفط لا يزال يمثل حوالي 35 في المائة من استهلاك اليابان الأولي للطاقة. وأعلنت الحكومة الكورية الجنوبية عن تجميد تاريخي لأسعار الوقود، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهددت بفرض غرامات على المتلاعبين بالأسعار. وتضيف الباحثة أن هذا يدفع صناع القرار في طوكيو وسيول إلى قناعة بأن تنويع مصادر الطاقة لم يعد رفاهية استراتيجية، بل صار ضرورة أمنية لا تقبل التأجيل، مما يوجه الأنظار بشكل متزايد نحو الطاقة النووية المدنية كبديل حقيقي عن التبعية لممرات الشحن المكشوفة.
“الكمون النووي”: ورقة ضغط في وجه التهديدات الإقليمية
أثارت حرب إيران سؤال “الكمون النووي” في دوائر الاستراتيجية الآسيوية، ويُقصد به امتلاك دولة ما القدرة التقنية على صنع الأسلحة النووية دون الإعلان الرسمي عنها. تتبنى اليابان هذه السياسة ليس فقط كدرع تقنية، بل كـ«رافعة دبلوماسية». ويهدف هذا النهج إلى ردع الصين وكوريا الشمالية، مع ضمان استمرار «المظلة النووية» الأميركية لتجنب التخلي عن اليابان، وإلا فإن اليابان قد تتجه نحو «انتشار نووي سريع» لضمان أمنها القومي.
لكن الدكتورة نيكيه تحذر من «الحساسية التاريخية» لهذا الموضوع في اليابان، بسبب «عقدة» هيروشيما وناغازاكي، مما يجعل أي توجه نحو التسلح النووي يواجه معارضة شعبية قوية. في المقابل، تبدو كوريا الجنوبية أكثر اندفاعاً لامتلاك قدرات نووية. وعلى الرغم من القيود الصارمة التي تفرضها اتفاقيات التعاون النووي المدني مع الولايات المتحدة، يقود الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ حراكاً تفاوضياً مكثفاً لتعديل هذه الشروط، ويهدف إلى الحصول على حق تخصيب اليورانيوم لتشغيل غواصات نووية.
يشير أنطوان بونداز، الباحث الفرنسي المتخصص في شؤون كوريا الجنوبية بـ«مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية»، إلى تحول جذري في الداخل الكوري، حيث لم يعد التوجه النووي حكراً على اليمين المحافظ، بل بات يحظى بإجماع وطني. فالجمهورية الكورية تعيش تحت تهديد مباشر ومستمر من الترسانة النووية لجارتها الشمالية، مما يدفع الكثيرين إلى الشعور بأن الاعتماد الكلي على الحماية الأميركية لم يعد كافياً.
الضغط الأميركي ومعضلة الاختيار
فرضت «حرب إيران» على طوكيو وسيول معادلة صعبة تتمثل في الاختيار بين الانخراط في الجهد العسكري الأميركي أو التمسك بحياد تتآكل مصداقيته. وبلغت هذه الضغوط ذروتها مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أكد أن «الحماية الأميركية ليست خدمة مجانية»، مطالباً الحلفاء بتأمين إمداداتهم بوسائلهم الخاصة. رداً على ذلك، صرحت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي بأن طوكيو ستلتزم بما هو «ممكن دستورياً» فقط، في إشارة إلى تقديم دعم لوجستي محدود لتجنب المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران. وحذر الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ من أن سحب المنظومات الدفاعية الأميركية يخلق «فجوة أمنية» تستدعي تسريع امتلاك قدرات دفاعية أكثر استقلالية، بعد قلق سيول من نقل واشنطن البطاريات الأميركية المضادة للصواريخ من أراضيها إلى الشرق الأوسط.
تجد اليابان نفسها أمام معضلة هوية لا سياسية فحسب، فدستورها و«هويتها الجمعية» تتمسك بنبذ السلاح النووي، مما يربك النخب السياسية والرأي العام. يرى الباحث بونداز أن موقف اليابان وكوريا الجنوبية ليس «مجرد تردد ظرفي»، بل هو «أزمة ثقة بنيوية في منظومة التحالفات الأميركية». ويعتبر نقل منظومات الدفاع الجوي من شبه الجزيرة الكورية ضربة لمبدأ الاطمئنان الاستراتيجي. ويشير باسكال بونيفاس، مدير «المعهد الدولي والاستراتيجي»، إلى أن «الغموض الأميركي الاستراتيجي لم يعد رادعاً، بل أضحى مقلقاً حتى لأقرب الحلفاء»، محذراً من أن كل تردد أميركي يفتح الباب أمام شكوك يصعب محوها وتعمق في تداعيات حرب إيران على اليابان وكوريا الجنوبية.































