في تحول جيوسياسي غير مسبوق، تشهد المنطقة والعالم إعادة رسم خريطة النفوذ الدولية، في أعقاب التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط. فالتداعيات الجارية تتجاوز البعد الثنائي بين الولايات المتحدة وإيران، لتؤثر على بنية النظام الدولي برمته وتضع حداً للغموض الاستراتيجي الذي ساد لسنوات.
يتجلى هذا التحول في الانتشار العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة، حيث لوحظ تركيز أكثر من 40% من السفن العملياتية للبحرية الأمريكية حول الشرق الأوسط، وفقًا لمحللين. هذا التركيز يعكس تحولاً في الأولويات، ما يقلل من الحضور في المياه الآسيوية ويمنح الروايات الصينية حول “الأفول الأمريكي” المزيد من الصدقية الميدانية.
إعادة رسم خريطة النفوذ: تبعات الحرب الإقليمية على النظام العالمي
أشار سيدريك بيران، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي، إلى أن العالم يشهد “منعطفًا جيوسياسيًا تاريخيًا لم يُعرف مثيله منذ سقوط جدار برلين”. وتوقع أن تسعى الصين واليابان وكوريا الجنوبية للضغط على واشنطن من أجل وقف التصعيد. وحذّر كريستيان كامبون، عضو مجلس الشيوخ، من أن أي صدمة نفطية ستلقي بظلالها بشكل كامل على آسيا أكثر من غيرها، نظراً لاعتمادها الكبير على نفط الخليج.
في المقابل، كشفت الأحداث عن حدود الدور الصيني. فعلى الرغم من “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” مع طهران واستثماراتها الكبيرة ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، لم تتدخل الصين لحماية إيران من الضربات الأمريكية الإسرائيلية. وهذا يؤكد نهج بكين الحذر في قضايا الأمن الإقليمي، مما يقوض رصيدها الجيوسياسي في المنطقة وخارجها، بحسب الباحث الفرنسي أنطوان بونداز.
تزايد الشكوك حول الضمانات الأمنية الأمريكية
يزيد هذا الوضع من حاجة اليابان وكوريا الجنوبية لتطوير قدراتهما العسكرية، لا سيما قدرات الضرب بعيد المدى وأنظمة الدرع الصاروخية المتعددة الطبقات، في مستقبل لم يعد فيه مجال للاتكال الكامل على الضامن الأمريكي. ويحذر بونداز من خطر تأثير الدومينو نحو اليابان وكوريا الجنوبية حال شكوكهما في الضمانات الأمنية الأمريكية.
أصبح هذا الخطر أكثر واقعية اليوم، لا سيما بعد الضربات الأمريكية على إيران. تتعامل كوريا الشمالية مع التهديد الأمريكي المحتمل بجدية بالغة، ويبدو أن زعيمها كيم جونغ أون يستغل الوضع لتسريع برنامج بلاده النووي، مشيرًا إلى مصير إيران التي لا تمتلك السلاح النووي.
نهاية الغموض الاستراتيجي في شرق آسيا
تدار سياسات اليابان وكوريا الجنوبية منذ عقود وفقًا لمنطق الغموض الاستراتيجي المحسوب، الذي يجمع بين التحالف الوثيق مع واشنطن والعلاقات الاقتصادية مع بكين، مع الحفاظ على مسافة حذرة من أي تصعيد. ولكن، الحرب على إيران تضيق هامش هذا الغموض، وتطرح تساؤلات ملحة أمام صانعي القرار في طوكيو وسيول حول مدى قدرتهم على الاستمرار في هذا التوازن.
تشكل الهشاشة المادية حجر الزاوية في هذا النقاش. فاليابان وكوريا الجنوبية تستوردان معظم احتياجاتهما النفطية من الخليج. وبالتالي، فإن أي اضطراب في مضيق هرمز لبضعة أسابيع كفيل بشل إنتاجهما الصناعي وإرباك توقعات نموهما لسنوات. هذا الواقع دفعهما إلى إعادة النظر في الطاقة النووية المدنية، مما يقلل المسافة نحو عتبة الامتلاك العسكري لهذه الدول.
يرى الخبير الفرنسي أنطوان بونداز أن قضية امتلاك كوريا الجنوبية لأسلحة نووية مستقلة تحظى بتأييد شعبي واسع، معتبراً ذلك “حسابات استراتيجية أكثر من كونها حماسة مؤقتة، في ظل شكوك متصاعدة حول صمود الضمانة الأميركية”.
بالنسبة لليابان، تشير الدكتورة فاليري نيكيه إلى أن تحولاتها الأمنية الأخيرة، رغم ضخامتها، تبقى رهاناً على استمرار المظلة الأمريكية أكثر من كونها مشروع استقلالية حقيقية. وتضيف أن “الصين لن تخسر شيئاً من هذه الحرب؛ فانشغال واشنطن في الخليج يخفف الضغط عن بكين في ملف تايوان، ويكشف محدودية القدرة الأمريكية على الوفاء بالتزاماتها في جبهتين متزامنتين”.
هذا يجعل الحرب على إيران أكثر من نزاع إقليمي، لتغدو اختباراً لصمود النظام الأمني بأسره. ومن المحتمل أن تكون نتيجتها إعادة رسم خريطة النفوذ النووي في منطقة ظنت نفسها بعيدة عن هذه المعادلات. يتوقع مراقبون أن تشهد الأشهر القادمة مزيداً من التحركات الدبلوماسية والعسكرية، مع تزايد الضغط على التحالفات القائمة وتساؤلات حول مستقبل الأمن الإقليمي والعالمي.































