يتناول كتاب “كرة القدم” للمؤلف تشاك كلوسترمان، جدلاً فكرياً حول مستقبل هذه الرياضة الأكثر شعبية في أمريكا، متوقعاً تراجعها وانحسارها التدريجي عن مكانتها المحورية، وذلك في غضون بضعة عقود. يشبّه كلوسترمان مصير كرة القدم بمصير سباقات الخيول التي تراجعت من هيمنتها إلى هامش الاهتمام.
يستند كلوسترمان في تحليلاته إلى أفكار روي بلانت جونيور الذي وصف كرة القدم بأنها تمنحنا “تحرراً من كل قيد وانغماساً في فوضى صاخبة ومبهجة”، لكنه يرى أن هذه الفوضى المبهجة لن تدوم طويلاً.
مستقبل كرة القدم: فناء محتوم أم تحول جذري؟
في كتابه الجديد “كرة القدم”، يطرح تشاك كلوسترمان تساؤلات جريئة حول مصير رياضة كرة القدم، مشيراً إلى أنها دخلت في “دوار الموت” وأن نهايتها أصبحت وشيكة. يجادل المؤلف بأن هذه الرياضة، التي احتلت مكانة عميقة في الثقافة الأمريكية، ستشهد تراجعاً كبيراً في الأربع إلى الخمسة عقود القادمة، لتصبح في نهاية المطاف رياضة هامشية.
يُعرف عن كلوسترمان عمق تحليلاته وشخصيته الفكرية، حيث يزاوج بين الفلسفة والتحليل الرياضي، مقدماً رؤى غير تقليدية حول قضايا جماهيرية. ورغم أن تنبؤاته قد تبدو مثيرة للقلق، إلا أنه يدرك طبيعتها طويلة الأمد، قائلاً مازحاً “الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف”.
كرة القدم: الاشتراكية الأمريكية ومفارقاتها
يقدم كلوسترمان حججاً مفصلة في كتابه، بعضها يثير الدهشة. يصف كرة القدم بأنها “النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأمريكية”، وذلك بسبب الآلية التي يتم بها توزيع عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الـ 32. في المقابل، قد يراها آخرون كتكتل احتكاري تجاري.
كما يتعمق المؤلف في تحليل شخصيات رياضية تاريخية مثل جيم ثورب، ويستكشف أسباب السخرية من كرة القدم الكندية، ويفكك الصورة النمطية لبعض السياسيين كمدربين رياضيين. يتناول كلوسترمان بحدة صورة تيم والز، حاكم داكوتا الشمالية، مشيراً إلى أن تصويره كمدرب لكرة القدم لم يكن مقنعاً إلا لمن هم خارج دائرة الرياضة، وأن صورته جسدت مفهوماً ليبرالياً للرجولة يختلف عن صورته الواقعية.
دوري الفانتازيا والمراهنات: تعميق الارتباط أم زيادة الشك؟
يستعرض كلوسترمان أهمية “دوري الفانتازيا” وألعاب الفيديو مثل “مادن إن إف إل”، بالإضافة إلى ظاهرة المراهنات الرياضية، وكيف أنها تضيف بعداً جديداً من الإثارة والاهتمام باللعبة، حتى لو كانت المباريات الحقيقية قد تبدو مملة. يصف “الشر الانتشائي” الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات، مؤكداً أن مباريات كرة القدم في عقول المراهنين نادراً ما تكون كذلك، وأن خطأ بسيطاً كـ “ركلة ميدانية محجوبة” يمكن أن يؤثر بشكل كبير على حياة شخص ما، مادياً وعاطفياً.
على الرغم من أن كلوسترمان لا يستبعد احتمال فضيحة مراهنات كبرى قد تؤثر سلباً على الرياضة، إلا أنه يرى أن المراهنة تثري اللعبة “على الأقل من الناحية الحوارية”، مقارناً الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في الفانتازيا بوصف حديقته، بينما يكون حديثه عن إخفاقات المراهنات أكثر تشويقاً.
كرة القدم والعِرق: نقاشات غير تقليدية
يخوض كلوسترمان نقاشاً لافتاً حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، مستعرضاً تساؤلات غير معتادة. يتساءل عن سبب غياب اللاعبين السود عن مركز “الهداف”، وما إذا كان ذلك يعكس تحيزاً أم تقليلاً من شأن المركز. كما يتناول ندرة اللاعبين البيض في مركز “الظهير الركني”، وما إذا كان ذلك يدل على متطلبات بدنية خاصة لهذا المركز، ولماذا يتجاوز متوسط راتب “الظهير” راتب “الظهير الركني” رغم ذلك.
ينثر كلوسترمان في طيات كتابه عبارات موجزة تحمل حكمة، مثل “لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف” و”عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران”. يذكرنا بأسلوب الشباب الثرثارين في فيلم “داينر”، وبالمعلق الساخر درو ماغاري، مع إبراز اختلاف أسلوبه البرود مقارنة بحماسة ماغاري.
لماذا تتراجع كرة القدم؟ الأسباب وراء الانحسار
يؤكد كلوسترمان أن كرة القدم، رغم أنها لن تختفي تماماً، لكنها مقدر لها الخروج من مكانتها المركزية في الحياة الأمريكية. يعزو ذلك إلى سببين رئيسيين: أولهما، أن المعلنين سيدركون في النهاية أن إنفاق مبالغ طائلة مقابل وقت قصير للعرض هو استثمار سيء. ثانياً، يرى أن فقدان الصلة اليومية والوثيقة باللعبة، كما حدث مع سباقات الخيول، سيؤدي إلى تراجعها.
هذا التراجع يعود جزئياً إلى قلق الأمهات بشأن إصابات الرأس (الارتجاجات)، مما يقلل من رغبة أبنائهن في ممارسة اللعبة. وبالتالي، سيعرف الشباب كرة القدم بشكل أساسي عبر الشاشات وألعاب الفيديو، منفصلة عن التجربة الحياتية الفعلية. كما يلقي المؤلف باللوم على “الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية” (NCAA) لقراراتها التي جعلت اللعبة الجامعية تشبه نظيرتها الاحترافية، مما أدى إلى فقدانها طابعها المحلي والشعبي المميز.
ما لم يتضح بعد، هو المدى الحقيقي لهذا التراجع، وكيف ستتعامل كرة القدم مع هذه التحديات في المستقبل. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الرياضة ستجد طرقاً جديدة لإعادة جذب الجمهور، أو ستحول هي نفسها إلى مجرد ذكرى من الماضي الرياضي.



























