في خضم الجدل الثقافي المتصاعد في القارة الأوروبية، يبرز سؤال جوهري حول مكانة الإسلام ودوره التاريخي والحاضر. فبينما تسعى بعض التيارات اليمينية المتطرفة لتصوير الإسلام كضيف غريب أو ظاهرة حديثة، تكشف الشواهد التاريخية والثقافية والاقتصادية عن حقيقة مغايرة تمامًا. يؤكد خبراء ومؤرخون أن الوجود الإسلامي في أوروبا هو جزء أصيل ومتجذر في نسيج القارة، وليس مجرد تبعة لموجات الهجرة الأخيرة.
يواجه الخطاب اليميني الشعبوي تحديًا حقيقيًا أمام الإرث الحضاري والتاريخي للإسلام في أوروبا. فالمحاولات الرامية لربط الإسلام حصريًا بالهجرات الحديثة أو قوارب اللجوء تتجاهل قرونًا من التفاعل والتأثير المتبادل الذي شكل جزءًا لا يتجزأ من هوية القارة الأوروبية المتنوعة. هذا التشويه المتعمد للتاريخ يهدف إلى إقصاء شريحة واسعة من مواطنيها الذين يشكلون جزءًا أساسيًا من مجتمعاتها.
الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا: جذور تاريخية عميقة
يؤكد كتاب “أوروبا المسلمة” للباحث طارق حسين، أن الإسلام وصل إلى أوروبا في العام 647 ميلادية، أي بعد ستة عشر عامًا فقط من وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، مما يعني أن الوجود الإسلامي سبق انتشار المسيحية في أجزاء واسعة من شمال وشرق أوروبا بقرون عديدة. هذه الحقيقة التاريخية تلقي بظلالها على السرديات الحديثة التي تحاول تهميش هذا الدور.
فمن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون مجرد عابرين، بل أسسوا مجتمعات مستقرة وحاكمة ومنتجة للمعرفة. في صقلية، على سبيل المثال، ازدهرت نظم الري المبتكرة وتحسنت معايير المعيشة بشكل لافت تحت الحكم الإسلامي، لدرجة أن الملوك النورمان الذين خلفوهم اضطروا إلى تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة مملكتهم بكفاءة.
تأثيرات معمارية وثقافية: لا يمكن محوها
لا تتوقف هذه التأثيرات عند حدود السجلات التاريخية، بل تتجسد في العمارة والشواهد المادية التي لا تزال قائمة حتى اليوم. تشير الباحثة ديانا دارك في كتابها “السرقة من السراسنة” إلى أن العمارة القوطية، التي أنتجت كاتدرائيات باريس ولندن الشهيرة، تحمل في جوهرها الهيكلي والجمالي صدىً واضحًا للعمارة الإسلامية. فالتقنيات الهندسية و”العقود المدببة” انتقلت من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من النسيج العمراني الأوروبي.
إن من يتأمل صروحًا مثل كاتدرائية نوتردام في باريس لا يرى مجرد بناء مسيحي، بل يرى تجسيدًا للتلاقح الحضاري الذي كان للإسلام فيه دور محوري. هذه الشواهد البصرية الملموسة تصعب عملية إنكار أو محو التراث الإسلامي في أوروبا.
الإسهامات في القانون والسياسة والمجتمع الحديث
على الصعيد السياسي والقانوني، يكشف الباحثون في تاريخ البلقان وشرق أوروبا، مثل المؤرخة إميلي غريبل، أن المجتمعات الإسلامية لم تكن مجرد بقايا لإمبراطوريات سابقة، بل كانت فاعلاً أصيلًا في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة. لقد أسهمت هذه المجتمعات في صياغة مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفتخر بها الغرب اليوم، مما يجعل المسلم جزءًا من عقول صياغة الحداثة الأوروبية، وليس مشكلةً طارئة عليها.
في العصر الحديث، تستمر إسهامات المسلمين في أوروبا عبر مختلف المجالات. أثبت علماء من أصول إسلامية، مثل الزوجين أوزليم توريجي وأوغور شاهين مطوري لقاح “بيونتك” ضد فيروس كورونا، أن إسهامات المسلمين في أوروبا لا تزال حيوية في قلب العلوم الدقيقة وحماية الصحة العالمية.
المساهمات الثقافية والاقتصادية الحديثة: جزء لا يتجزأ من الهوية الأوروبية
يمتد الدور الإسلامي ليشمل الأدب والفنون، حيث يساهم كتاب وشخصيات ثقافية مثل ليلى سليماني وطاهر بن جلون في إثراء المشهد الثقافي الأوروبي المعاصر، ويقدمون منظورات جديدة للهوية والوجود. اقتصادياً، يُعد المسلمون في المدن الكبرى مثل برلين ولندن وباريس، جزءًا حيويًا من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروهات في الناتج المحلي الإجمالي.
إنهم ليسوا مجرد مهاجرين ينتظرون المساعدات، كما يحاول اليمين المتطرف تصويرهم، بل هم مواطنون يدفعون الضرائب، ويبنون المؤسسات، ويساهمون في الفلسفة والسياسة والرياضة، ويرفعون رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. هذا الحضور هو استمرار طبيعي لسلسلة تاريخية بدأت في قرطبة، مؤكدة أن الإسلام في أوروبا يمثل طاقة بناء ونماء.
أوروبا وتحدي تعريف الذات
إن الأزمة الحالية التي تواجه العقل الأوروبي ليست “أزمة هجرة” بقدر ما هي أزمة “تعريف للذات”. فمحاولة اليمين المتطرف الهروب من استحقاقات العولمة والانكفاء نحو هوية متخيلة ثابتة، تحاول سلب المسلم الأوروبي، سواء كان من أصول بولندية تترية أو بوسنية أو من الجيلين الثالث والرابع من المهاجرين، حقه التاريخي في “الأصالة”.
كما أكد الملك تشارلز الثالث (حين كان أميرًا لويلز) في خطابه الشهير عام 1993، “الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك”. إن تجاهل هذا الواقع ليس سوى إنكار لجزء أساسي من الهوية الأوروبية نفسها. الدفاع عن الوجود الإسلامي في تاريخ أوروبا هو دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي، وليس حجاجًا عن طائفة أو أقلية.
تقف أوروبا اليوم أمام مرآة ماضيها ومستقبلها، وعليها أن تختار بين قبول تعدد وجوهها وتنوع أصولها، أو البقاء أسيرة لصورة مشوهة رسختها أيدي اليمين الإقصائي. الإسلام لم يأت إلى أوروبا في قوارب اللجوء الحديثة؛ بل كان جزءًا من أساساتها الأولى، وسيظل جزءًا بنيويًا من هويتها التي لن تكتمل بدونه. في الفترة القادمة، سيكون التركيز على كيفية دمج هذه الرواية التاريخية الغنية في الخطاب العام والتعليمي، لدحض السرديات المضللة وبناء مستقبل أكثر شمولية في القارة.




























