الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني يؤكد أن التنافس بين الأنواع الأدبية لم يعد مجرد اختلاف في أعداد القراء، بل تجاوز ذلك ليصبح صراعاً وجودياً يمس البعد الحضاري للأمة، داعياً إلى فهم أعمق لديناميكيات المشهد الثقافي العربي المعاصر.

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني، بشهادته العديد من الإصدارات النقدية الهامة، ومنها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، من أبرز الأصوات المؤثرة في المشهد الثقافي العربي. تتسم رؤيته النقدية بالعمق والشمولية، حيث يتابع عن كثب قضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. في حوار خاص، يتناول العدواني أبرز مؤلفاته، ويقدم رؤيته التحليلية حول قضايا أدبية وثقافية محورية، أبرزها العلاقة بين النخبة والجمهور، وتطور الأنواع الأدبية، وتأثير التكنولوجيا على المثقف العربي.

في معرض حديثه عن كتابه “مفهوم العامة: الجلي والخفي”، يوضح العدواني أن التركيز على إزالة الصورة النمطية السلبية عن “العامة” يهدف إلى تفكيك الثنائية النمطية بين النخبة والعامة التي تهيمن على تصوراتنا الثقافية. ويرى أن هذه الثنائية التاريخية أدت إلى تحييد الفئة الأوسع من الجمهور وإهمالها، مما خلق فجوة ثقافية يصعب ردمها. بالتالي، فإن كسر هذه الثنائية يكمن في فحص الإيجابيات التي يتمتع بها “العامة” وتعزيز مركزيتهم الثقافية، بدلاً من التمسك بالانقسام السلبي.

وعند سؤاله عن ظاهرة تحول العديد من الكتاب إلى كتابة الرواية، يشير العدواني إلى أن نقده في هذا السياق لم يكن موجهاً نحو الجمهور، بل نحو بعض الكتاب الذين يتعاملون مع الكتابة الإبداعية كمنتج استهلاكي، ولا يملكون وعياً فنياً عميقاً بالجنس الروائي. ويرى أن هذه “القفزات الأفقية” غالباً ما تكون قاصرة ولا تضيف سوى مصطلح “الأديب” دون تحقيق عمق إبداعي حقيقي، مما يعيق التطور الرأسي في التجربة الأدبية.

في تعليقه على تحول مصطلحات مثل “نخبة” و”نخبوي” إلى ما يشبه السب، يرى العدواني أن هذه الظاهرة تعكس خلخلة في التوازنات الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذه المكونات. رغم أن ضيق المسافة بين النخبة والجماهير يظل عبئاً ثقافياً، إلا أن اللحظة المعاصرة نجحت في كسر بعض الثوابت، مما يجعل الانحياز السلبي الأعمى لفئة على حساب أخرى يفقد بوصلته.

يتناول العدواني قضية “صراع الأنواع الأدبية” وما يُقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة لصالح الرواية، مؤكداً أن هذا الصراع هو “وجودي” للجنس الأدبي نفسه ويمس البعد الحضاري. ويشدد على أن الشعر يظل له بعده التجذيري الأصيل، والرواية تحمل مشعل التنوير. وعلى الرغم من أن البعض يرفض وجود مشكلة في تراجع القصة القصيرة، إلا أن العدواني يرى أنها مشكلة جلية تتطلب التأمل، مستشهداً بتصريحات الكاتبة أليس مونرو التي أعربت عن أملها في زيادة قراء القصة القصيرة.

حول كتابه “احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية”، يؤكد العدواني أن الكتاب ليس مجرد نظرية مكتملة، بل هو محاولة نقدية تدعو إلى التشكيك في مساواة تجربة الكفيف بتجربة المبصر. ويدعو إلى دراسة تجربة الكفيف بشكل مستقل ووضع أدوات نقدية مناسبة لها، مع نبذ مفهوم “الآخرية” الذي ينبع من الشفقة ويؤدي إلى تمييز غير عادل.

في سياق كتاباته عن التناص، يوضح العدواني أن التناص حالة مركبة تتجاوز الاقتباس البسيط، وتشمل التداخل والتفاعل بين النصوص. ويرى أن هذا التفاعل قد يكون “هدّاماً” بمعنى أنه يفتح آفاقاً جديدة للنص التالي، مستشهداً بتحليلات هارولد بلوم. وبالنسبة لحوار الشعراء المعاصرين مع أسلافهم، يرى أن التفاعل غالباً ما يكون جزئياً على الرغم من نجاحه في توظيف الجوانب التراثية.

فيما يتعلق بمواكبة المجتمع العربي للتطورات العالمية في الحداثة وما بعدها، يميز العدواني بين “التحديث” المادي والحداثة الفعلية. ويعتقد أن مصطلح “الحداثة وما بعدها” قد نجح في العالم العربي من خلال التوافق العلمي والأكاديمي، ولكنه يشير إلى أن الإشكال النقدي يكمن في غياب الفهم بأن الحداثة تتطلب جناحين: الفلسفة والانتماء، والاتكاء على المصطلحات والإسهامات النظرية.

من خلال كتابه “إعادة كتابة المدينة العربية”، يكشف العدواني عن التمثيل الاستعماري السلبي للمدن العربية في أعمال روائية غربية. ويرجع هذه الرؤية السلبية إلى خطاب استعماري تاريخي يتجلى في تصوير القبح، والغرائبية، والشبقية، بالإضافة إلى الكراهية المتجذرة في خطابات دينية وسياسية واقتصادية. ويرى أن هذه الرؤية لا تقتصر على المدن العربية بل تمتد إلى المدن الشرقية بشكل عام.

في ختام الحوار، يعبر العدواني عن رؤيته للمشهد الثقافي العربي في عصر “السوشيال ميديا” وتراجع دور المثقف التقليدي. ويرى أن “السوشيال ميديا” والذكاء الاصطناعي يمثلان “تعاظماً آلياً” يقابله تراجع لدور الإنسان، الذي أصبح متصلاً بالأجهزة الصناعية. ورغم أن هذه التقنية قد ترفع مستوى الوعي، إلا أنه يخشى أن تساهم في “تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً”.

ما سيتضح قريباً هو مدى قدرة النقد العربي على مواكبة هذه التحولات التكنولوجية والثقافية المعقدة، وكيفية استعادة الصوت الإنساني أمام المد الآلي المتزايد.