الرواية والعمران… هندسة الانتماء إلى مكان ما

في تحليل عميق لصلة الرواية بالعمران، يتناول الفيلسوف الفرنسي تييري پاكو في كتابه الأخير “حب الأمكنة” (باريس، 2025) العلاقة المعقدة بين الجغرافيا وحكايات المدن والبلدات. يعتبر پاكو أن الانتماء إلى مكانٍ ما هو الأساس الذي تبنى عليه المشاعر الأدبية. تعبر الرواية عن صدمات الأماكن ونواقصها وبهجتها، مما يجعلها مرآة تعكس الوعي الأوروبي بتحولات المناطق الحضرية والريفية.

يستعرض الكتاب أعمالاً روائية من “بروست” إلى “آني إرنو” و”بول أوستر” لإثبات الأهمية الجوهرية لـ “المكان ما” ككيان متعدد الأبعاد تتشابك فيه المشاعر. ويبرز پاكو مفهوم “إيكولوجيا التعبير الأدبي” التي تشرح كيف ساهمت الأمكنة في تشكيل الكائن البشري، وعلاقاته بالآخرين والأرض، مما يتيح فهماً أعمق لوجوده.

الرواية والعمران: هندسة الانتماء إلى مكان ما

تتحول طبيعة العمران في هذا السياق إلى محفز أساسي للخيال الروائي، بينما يصبح الدمار عاملاً مهماً في “تبيئة” الوجود الشخصي للإنسان. تتجلى هذه العلاقة في ارتباط الأفراد بالمدن التي ينتمون إليها، بما فيها من شوارع وميادين وحدائق، سواء صمدت أو تلاشت. حتى المنفي والمشرد والسجين يحملون في ذاكرتهم “مكاناً ما” يتوقون إليه أو يسعون لبنائه في خيالهم، يجمع بين الجذور الفطرية والعالمية، وبين “الوطن” والمكان الذي يكتشفون فيه ذواتهم.

يتجسد هذا المفهوم في روايات مثل “أغادير” للروائي المغربي محمد خير الدين، حيث يعيد الكاتب تركيب ملامح شخصه في مدينة دمرها الزلزال. ففي أعقاب الكوارث الطبيعية أو الحروب، تتغير مصائر المدن ويتم تخطيط انزياحاتها وقطائعها. تبرز أمثلة تاريخية مثل أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج، وبيروت بعد الحرب الأهلية، والموصل وحلب، كشواهد على هذا الخراب الذي يدفع الروائيين لمقاومة مخططات المحو والحفاظ على الدعامات الحسية للوجود.

الأماكن في الأدب: من الواقع إلى التخييل

تبني الرواية ما يسميه تييري پاكو بـ “المحل الوجداني”، وهو مفهوم ألماني لا يمكن ترجمته بكلمة واحدة، ويشمل “الوطن وأرض الميلاد والملاذ”. تظهر في الروايات هندسات متنوعة لهذا “المحل الوجداني” داخل الشوارع والمقاهي والحدائق ودور السينما، التي كانت يوماً تعج بالحياة ثم خلدها السرد بذاكرة وشخصيات تنتمي إليها. هكذا تصبح المدن المتخيلة جزءاً من زمن وطراز معماري وقيم اجتماعية ونمط حياة خاص.

على سبيل المثال، “سان بطرسبرغ” كما تصورها روايات دوستويفسكي تختلف عن “لينينغراد” إبان الثورة والحصار، وعن المدينة المعاصرة التي استعادت اسمها الأصلي. هذه الطبقات من المدن، التي استوطنت الروايات، أصبحت تخطيطات روائية للذاكرة لا تلوح اليوم إلا أطيافها، مما يؤكد على قدرة الرواية على تشييد عوالم موازية للواقع.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة “لوسيمافور” بمرسيليا، ضمن كتاب “الأسبوع الدامي”، يصف زولا أحداث حصار كومونة باريس عام 1871، معبراً عن معارضته لخراب باريس. لم يكن زولا يعادي الروح الثورية بحد ذاتها، بل كان يتحدث بضمير الباريسي الذي يحرص على روح عمارة عصية على التكرار، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية تتجاوز الصراع السياسي حول المناطق. بالنسبة له، كان تدمير حي مونمارتر ضرورياً لإنقاذ العاصمة من الخراب الكامل.

لقد خلد إميل زولا باريس بشكل لا مثيل له بين معاصريه، حيث نقل الطبقات اللا حسية للعمران بألغازها المسترسلة. كان شأنه شأن معظم الواقعيين في رواية القرن التاسع عشر بفرنسا، يهندس نصه عبر تفاصيل العمران المديني: أسماء شوارع، وأزقة، وميادين، وكنائس، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور. كل هذه التفاصيل تطل عبر مسارات حياتية وتحولات وقائع بشرية. هذه الغاية التمثيلية ذاتها سعت إليها روايات ما بعد “الربيع العربي”، حيث تنهض المدن الروائية لاستعادة ما تلاشى أو هُدّد بالغياب، من الرقة إلى الموصل، ومن حلب إلى عدن. وبعد سنوات قليلة، تواترت روايات الحروب الأهلية في العراق وليبيا وسوريا واليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى “المحل الوجداني” في خريطة عمائر المدن المتحولة إلى يَبَاب.

قبل عقد من الزمان، استضاف متحف سرسق في بيروت حواراً نظمه “المركز العربي للعمارة” و”بيت الكتب” بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، حول المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب ومحوته جرافات “السلام”. كان الحوار بمثابة حركة مقاومة، حيث اصطف المعماريون والروائيون معاً لاستعادة “المكان ما” من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، صممها “الرأسمال المتوحش” بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها. قدم الحوار بديلاً عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الحديث الذكريات والأسماء والصور التي اختفت إلى الأبد، ليصبح التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مستمر. يختصر إلياس خوري هذا التصور بقوله:

“نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا.”