تُبرز الدراسات الحديثة، المستندة إلى مقاربات فكرية وأدبية، أن النزعة النرجسية وتمثلاتها ليست ظاهرة حصرية بالثقافة الغربية، بل تمتد جذورها ورصدها في التراث الشعري العربي القديم. على الرغم من عدم وجود تفاعل مباشر مع أسطورة نرسيس اليونانية في الشعر العربي، إلا أن ملامح الاعتداد المفرط بالذات والفخر بالنفس والجماعة تتجلى بوضوح في قصائد الشعراء العرب.
النزعة النرجسية في الشعر العربي القديم
تُعد النزعة النرجسية، وتعني التعلق المفرط بالذات، سمة أساسية في الشعر العربي القديم، حيث يتجاوز الأمر مجرد التعبير الفردي ليشمل فخرًا بالانتماء القبلي والجماعي. تشير التحليلات إلى أن هذه النزعة قد تكون رد فعل على اتساع المكان الصحراوي وصغر الجسد الإنساني، مما يدفع الذات المتشتتة إلى التشبث بهويتها للحفاظ على تماسكها.
وقد تجلت مظاهر الافتتان بالذات بشكل لافت في شعر امرئ القيس، الذي خصص أجزاء من معلقته لسرد مغامراته العاطفية. ولم يتردد “الملك الضليل” في التباهي بتجاوز الأعراف، بما في ذلك علاقاته المركبة مع النساء. هذه الأبيات تعكس تركيزًا كبيرًا على تفوقه وجاذبيته التي لا تقاوم.
لم تقتصر النرجسية في العصر الجاهلي على الذات المفردة، بل امتدت لتشمل الذات الجمعية، حيث يرى الشاعر فيها امتدادًا له وحصنًا. يظهر هذا بوضوح في معلقة عمرو بن كلثوم، التي تحتفي بشجاعة بني تغلب وتُظهر اندماجًا تامًا بين الهوية الفردية والجماعية، مما يعكس شعورًا بالتفوق والقوة.
غالبًا ما كانت النرجسية في الشعر الجاهلي ردًا مشبعًا بالمرارة على ظلم القبيلة. طرفة بن العبد، الذي عاقبته القبيلة، رد بالتباهي بشجاعته ومكانته. وتُعد عباراته مثل “إذا القوم قالوا: من فتىً؟ خلت أنني، عنيتُ” دليلاً على سعيه لإثبات ذاته رغم الظلم.
بالنسبة لعنترة، اعتمد الاعتداد بالذات على تجاوز التهميش الذي واجهه بسبب لونه. رأى في قوته الجسدية سبيلًا لرد اعتباره، وجعل شعره احتفاءً بشجاعته وهويته المهددة، كما يتضح في قوله: “ولقد شفى نفسي وأبرأ سقْمها، قول الفوارس: ويكَ عنتر أَقْدِمِ”.
في صدر الإسلام، تحول التركيز من التباهي بالنفس إلى الخشوع. ومع ذلك، فإن تجربة سحيم عبد بني الحسحاس تُعد استثناءً، حيث استمر في مظاهر الزهو الجاهلي. من خلال علاقاته الغرامية، سعى إلى إثبات فحولته والرد على اضطهاد قبيلته، وهو ما دفع به إلى التباهي بها حتى في مواجهة الموت.
أما عمر بن أبي ربيعة، فقد اتسمت نرجسيته بالازدواجية؛ فهو ينتمي إلى أسرة ثرية ومتميزة، ويتحدى القيود الأخلاقية التي فرضها الدين. شعره احتفاء مستمر بالمغامرات العاطفية والملذات، متجاهلًا دعوات الزهد. يصف نفسه بأنه مصدر إلهام للنساء، حتى أن بعضهن يذكرن اسمه عند تعثرهن.
تُعد شخصية أبي الطيب المتنبي قمة النرجسية في الشعر العربي، حيث بلغ بخيلاءه وتعظيم نفسه حدودًا قصوى. لم يقتصر اعتداده على شعره ولغته، بل امتد ليشمل مزاياه الشخصية، مثل الشجاعة والأنفة. نشأته وانتماؤه الأولي أسهم في تعزيز هذه السمة، كما يظهر في قوله: “أيَّ محلٍّ أرتقي أي عظيمٍ أتَّقي؟”.
تتجسد نرجسية المتنبي في عبارات مثل “أنا ترْبُ الندى وربُّ القوافي” و “ما بقوم شرفتُ بل شرفوا بي”. يصف غربته وتعاليه عن معاصريه، مؤكدًا تفوقه كـ “معدن الذهب الرغام”. كما يرى نفسه الصوت المتفرد الذي يتحول الآخرون إلى صدى له.
يمكن اختزال الشخصية النرجسية في الشاعر الأندلسي ابن حمديس بعبارة موجزة: “كأنما العالم مرآتهُ فلا يرى فيها سوى شخصهِ”. هذه العبارة تلخص تجسيد الشخص الذي يرى نفسه مركز الكون.
تتطلب دراسة أسباب ومدى انتشار النزعة النرجسية في الشعر العربي القديم مزيدًا من التحليلات المقارنة. تركز الأبحاث المستقبلية على استكشاف العلاقة بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي ساهمت في تشكيل هذه السمات الشعرية، وإعادة تقييم دورها في تطور القصيدة العربية.




























