النياشين لا تغني عن الغفران

“النياشين لا تغني عن الغفران”: رواية محمد البرمي تفكك أوهام الاعتراف والعدالة

في رحلة فلسفية عميقة، يتناول الكاتب المصري محمد البرمي في روايته الجديدة “الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى” الصادرة عن دار الشروق، مفهوم العدالة وقيمتها الإنسانية، متسائلاً عن المعايير التي تُوزّع بها “النياشين”، سواء كانت تقديرًا رمزيًا أو مكانة اجتماعية، ومدى ارتباطها بالاستحقاق الحقيقي. تكشف الرواية، التي انطلقت في فبراير 2026، عن استراتيجيات النفوذ والسلطة في منح الأوسمة، وكيف أن هذه “النياشين” قد لا تعوض عن الحاجة الأصيلة للغفران الداخلي.

تتمحور أحداث الرواية حول بطل في عقده الرابع، يعيش حالة من التأمل المستمر في ماضيه. ينحدر من قرية، لينتقل إلى العاصمة باحثًا عن طموحاته، لكن المدينة التي وعدته بالصعود الوظيفي والسلطوي، سرقت منه الأمان. حياته أصبحت “لعبة شدّ وجذب”، تربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه. على الرغم من مكانته، يشعر البطل بعدم القدرة على التصالح مع هويته المتحولة، وكأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافًا بذاته بل بواجهة مصقولة.

البحث عن العدالة والسلطة

تبدأ الرواية بجملة تأسيسية تكشف مغزى الكتابة لدى البطل: “أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي”. يتحول دافع الكتابة إلى اعتراف مضاد، حيث تطارده وصية أبيه بالنجاة من الفساد. الكتابة هنا تكون محاولة نجاة أخرى، أو مساحة للتفاوض مع الحياة التي يعيشها، بهدف “سدّ الثغرات وإكمال النواقص”.

تتشابك حبكة اختفاء سيدة تدعى “شيرين” مع حياة البطل، لتقوده إلى سلسلة من المواقف المعقدة. لا يقتصر السرد على كشف لغز الاختفاء، بل يتعمق في دواخل البطل، حيث تكشف كل ورطة عن طبقة جديدة من شخصيته، وكل تعثر يضعه أمام سؤال حاول طمسه: هل سعى إلى العدالة أم إلى “نياشينها”؟ يختصر البطل هشاشة يقينه قائلاً: “ظننتني أعرف ما أريد”. مع تصاعد الأحداث، يتحول الاختفاء إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، والماضي، وصورته أمام نفسه.

الخريطة العائلية كمرآة للذات

لا تُعتبر الخريطة العائلية للبطل مجرد إطار سردي تقليدي، بل يستدعيها كشفًا ذاتيًا متكررًا. تغيب الزوجة نسبيًا، فيما يضيء صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولة لتعويض رتابة الزواج بدلًا من مواجهته. تنقسم ذاته بين بيتين، ويفكك السرد مفهوم “البيت” كاستعارة لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته، نتيجة لعدم مسامحته لأبيه وفقدان أمه مبكرًا. يدرك البطل: “في كل مرة كنت أحاول الاكتمال… نقصت”، وكأن الرواية هي كتابة عن نقص لا يمكن ترميمه بـ”نياشين” الزواج أو الترقيات المهنية السريعة.

المدينة كمرحلة مراجعة داخلية

تتوزع شخصية البطل عبر مرآتين: “شيرين” و”رباب”. لغز اختفاء “شيرين”، الذي يشوبه قلق وتهديد مباشر للبطل، يرتبط به بعلاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب. اختفاؤها لا يهدد موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه. في المقابل، تظهر “رباب”، سائقة “أوبر” التي يلتقي بها مصادفة، كحضور مضاد. هي لا تسعى لـ”نيشان” ولا تنتظر اعترافًا. تجوالهما في شوارع القاهرة ليس مجرد تنقل مكاني، بل هو تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، وكأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح للمراجعة الداخلية.

حواراته مع “رباب” توفر للبطل مرآة أكثر صفاء، تعكس تناقضاته بدلًا من صورته المصقولة. تمرد “رباب” واختياراتها الحياتية غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضع البطل أمام أسئلة ملحة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورته المصطنعة. يكثف استخدام ضمير المتكلم وقع المراجعات الذاتية، فالبطل لا يروي وقائع بل يعيد ترتيبها لترميم صورته أمام ذاته. الرواية تحاكم بشكل أساسي “وهم الاكتمال”، ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يبحث عن الاعتراف الخارجي، بينما يظل جرحه الأول مفتوحًا.

أسطورة عروس النيل والنيل كرمز للتجدد

في مشهد يستدعي أسطورة “عروس النيل”، تقف “رباب” لتعيد كتابة الطقس كفعل تحرري. قفزها في النيل لا يبدو تهورًا، بل محاولة لمواجهة الماء كعنصر للبدء والمحو والتجدد. المفارقة تكمن في استدعاء البطل نفسه لهذا الطقس على حافة حياته، ليس كمشهد أسطوري، بل كسؤال أخلاقي يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة. هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحول النيل إلى رمز دائري يعيد الرواية إلى بدايتها، ليجد الصدى في لحظة التطهير المؤجل، ويعود المشهد إلى سؤال “أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي”.

إن تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل “الورطة”، “اللعبة”، “الرهان”، “الزحام”، “الخطر”، “المصادفة”، “الخلاص”، لا يمثل تنظيمًا شكليًا فحسب، بل بنية رمزية لمسار السقوط. الحياة تبدأ لعبة، تتحول إلى رهان، ثم تنزلق إلى الخطر، وتتحرر عبر مصادفة، لتبحث في النهاية عن خلاص. هذه البنية تحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسار يوحي بالاستيعاب التدريجي للحماقة؛ حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.

ماذا بعد؟
تواصل رواية “الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى” طرح أسئلة حول القيم الإنسانية والبحث عن الذات، تاركة القارئ يتأمل في معاني الاعتراف والغفران. يظل التحدي الأكبر أمام القارئ استيعاب هذه المفارقات العميقة في رحلة ما بعد قراءة الرواية.