بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

تُبرز رواية “حائكات الأزل” للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب، والتي صدرت عن “دار الآداب”، ببراعة مسيرة النساء عبر الأجيال، حيث تتناول كيف ينسجن مصائرهن ويتغلبن على الصعاب بمنظور نسوي عميق. الرواية، التي تركز على سلالة نسائية واحدة، تقدم رحلة عبر الزمن تستكشف صمود النساء وقدرتهن على المقاومة، وتُعدّ مرجعًا مهمًا في الأدب العربي المعاصر الذي يحتفي بالمرأة.

من خلال تتبع حياة الجدات وصولًا إلى الوريثة الأخيرة، ندى، التي تجد نفسها في عزلة بسبب جائحة “كوفيد-19″، تستعرض الخطيب قصة عميقة للذات الجمعية النسائية. ترتكز الرواية على رمزية الحياكة والغزل كوسائل للمقاومة والتعبير عن الذات، حيث تصبح هذه الحرف بمثابة أداة للتعامل مع الألم والتحديات.

رواية “حائكات الأزل”: صمود النساء يتجسد في نسج الحياة

في عالم أدبي غالبًا ما يركز على الخطاب الذكوري، تقف رواية “حائكات الأزل” كمنارة للأدب النسوي، حيث تضع الكاتبة بسمة الخطيب النساء في قلب السرد. لا تكتفي الرواية بتقديم سيرة ذاتية لمجموعة من النساء، بل تتعمق في استكشاف مساراتهن المشتركة، والتحديات التي واجهنها، وكيف استخدمن الحياكة والغزل كوسيلة للصمود والخروج من محنهن. إنها دعوة لإعادة قراءة التاريخ من منظور نسائي، وتقدير القوة الكامنة في الصمت والمقاومة الصامتة.

تُقدم الرواية شجرة عائلة غير تقليدية، تهتم بمسيرة النساء من سلالة واحدة، مركزة على التجارب المشتركة التي توارثنها. هذا النهج يمنح القارئ فهمًا أعمق للروابط التي تجمع بين النساء عبر الأجيال، وكيف تشكل هذه الروابط هويتهن وقدرتهن على مواجهة المصاعب.

رمزية الحياكة في “حائكات الأزل”

تكتسب الحياكة والغزل في “حائكات الأزل” أبعادًا رمزية عميقة. فالنساء لا ينسجن ثيابًا فقط، بل ينسجن قصصهن، ويرتقن جروحهن، ويلملمن شتات ذواتهن. تصبح هذه الحرف وسيلة للتعبير عن المشاعر المكبوتة، وللتغلب على العزلة، وللتواصل مع الأجيال السابقة واللاحقة. في “قصر الهجران”، تتحول الحياكة إلى أداة للبقاء، وإثبات للوجود، وتحدٍ للسلطة التي حاولت قمعهن.

تُظهر الرواية كيف أن “الرتق” أو “الوصل” ليس مجرد إصلاح للنسيج، بل هو استعارة لقدرة النساء على ترميم حياتهن، والتغلب على الأخطاء والعثرات، والمضي قدمًا رغم كل الصعاب. إن “قفا” الأقمشة، الذي يكشف عن تاريخ الإصلاحات والعقد، هو بمثابة ذاكرة جماعية للنساء، يروي قصة كفاحهن وصبرهن.

“حائكات الأزل”: تاريخ نسائي صامت

لا تعتمد الخطيب في روايتها على الخطابات المباشرة حول حقوق المرأة أو مساواتها، بل تقدم سردًا ملموسًا لمسارات نسائية متلاحقة، تتسم بالصبر والعمل الصامت. تتجلى قوة النساء في قدرتهن على التحايل، وتجديل شعرهن، وطبخهن، كل ذلك في إطار سعيهن الدؤوب نحو تحقيق أهدافهن.

تتوازى الزلازل النفسية التي تعصف بالشخصيات مع الصدع الزلزالي الجغرافي، مما يعزز فكرة أن الألم والخيبات والضغوط النفسية والبيئية، تؤثر بشكل مباشر على حياة النساء. الرواية تطرح فكرة أن هؤلاء النساء، رغم اختلاف أعمارهن وظروفهن، يمثلن وجودًا واحدًا متجذرًا في تاريخ مشترك.

في نهاية الرواية، يتجسد الحل السعيد لهذه النساء أحيانًا في موت أحد الرجال، مما يفتح لهن الباب للتحرر. تجد ندى، الوريثة الأخيرة، حريتها بعد وفاة زوجها، لتكتشف إرثها النسوي وتصبح حارسة له. الرواية تترك القارئ مع تساؤل حول مستقبل هذا الإرث، ومع تقدير عميق لقوة الصمود النسائي.