شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

في تطور سينمائي لافت، تعرض ثلاثة أفلام حديثة تناقش بعمق قضايا الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان، مقدمة رؤى متباينة وإن كانت متصلة حول التحديات الإنسانية والاجتماعية. هذه الأفلام الثلاثة، “ذباب” للمكسيكي فرناندو أيمبك، “الحديقة التي حلمنا بها” لخواكين دل باسو، و”غابة في أعلى الجبل” لصوفيا بوردناييڤ، تقدم قصصًا مؤثرة تعكس واقعًا معقدًا، وتحظى باهتمام نقدي واسع، خصوصًا بعد عرضها في مهرجانات سينمائية دولية بارزة منها مهرجان برلين.

يتناول فيلم “ذباب” (Flies) للمخرج فرناندو أيمبك، رحلة امرأة تعيش في عزلة، لتجد نفسها مضطرة لمواجهة العالم من خلال ظروف غير متوقعة. بينما يستكشف فيلم “الحديقة التي حلمنا بها” (The Garden We Dreamt) للمخرج خواكين دل باسو، تجربة عائلة مهاجرة في سعيها لتحقيق حياة أفضل، مسلطًا الضوء على تحديات الهجرة. أما الوثائقي “غابة في أعلى الجبل” (Forest Up in the Mountain) للمخرجة الأرجنتينية صوفيا بوردناييڤ، فيسلط الضوء على تاريخ العنف ضد السكان الأصليين وقضايا الاستيطان.

“ذباب”: دراما الوحدة وتحولات العزلة

“ذباب” يقدم قصة “أولغا” (تريسيتا سانشيز)، التي تعيش حياة منعزلة، تعاني من الوحدة وزيادة في الوزن. مع بداية الفيلم، يرمز طنين الذبابة إلى تطفل العالم الخارجي على عالمها الخاص. تصوير الفيلم بالأبيض والأسود يعكس عالمًا أقل بهجة، مما يعزز فكرة العزلة التي تعيشها الشخصية الرئيسية.

تضطر أولغا، لتغطية نفقات معيشتها، إلى تأجير غرفة في منزلها. هذا القرار يدخل “توليو” وابنه الصغير “كريستيان” إلى حياتها، مما يمهد لبداية تحول داخلي. على الرغم من أن التحولات العاطفية في الفيلم قد لا تبدو مقنعة تمامًا، إلا أنها تخدم الغاية الأساسية للفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة وبداية استعادتها. يعتمد الإخراج على قوة الصورة لتقديم معالجة هادئة لموضوع العزلة.

“الحديقة التي حلمنا بها”: حلم المهاجرين وتحديات الاندماج

فيلم “الحديقة التي حلمنا بها” لخواكين دل باسو، يدور حول عائلة مهاجرة من تاهيتي تبحث عن حياة أفضل في المكسيك. يستخدم الفيلم تصويرًا بديعًا للغابات الداكنة، بتوقيع مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي، لخلق أجواء تعكس غموض وصعوبة العالم الجديد الذي تواجهه العائلة. هذا الفيلم يسلط الضوء على تحديات الهجرة، وصعوبة الاندماج في مجتمع جديد، والأثر الذي تتركه هذه التجربة على الأفراد. الفيلم يعد محاولة قوية لتقديم منظور جديد حول الاستيطان غير المألوف.

يوضح الفيلم كيف أن كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر، مما يجعل حلمها بـالحياة الجديدة أمراً صعب المنال. يظل الفيلم استكشافًا مؤثرًا للبيئة الطبيعية المحيطة، حيث تعكس الغابة الغامضة عالمًا ضخمًا وعصيًا على الاستيطان.

“غابة في أعلى الجبل”: تاريخ العنف والاستيطان

الوثائقي “غابة في أعلى الجبل” للمخرجة صوفيا بوردناييڤ، والتي مارست مهنة المحاماة قبل الإخراج، ينبع من اهتماماتها بحقوق الإنسان. يتناول الفيلم تاريخ العنف الممارس على البيئة الطبيعية والسكان الأصليين، وتحديداً قبيلة مابوتشي في الأرجنتين، مستعرضًا قضايا الاستيطان والعنف المجتمعي الذي تعرضوا له على مر العصور.

يبدأ الفيلم بحادثة مقتل شاب من القبيلة على يد الشرطة، ثم ينتقل إلى الماضي، معرجًا على أحداث مماثلة في القرن التاسع عشر، مؤكدًا أن هذه القبيلة كانت دومًا عرضة لأطماع الوافدين البيض. تسعى المخرجة لكشف الحقائق التاريخية المتعلقة بجرائم القتل التي ارتكبت بحق المواطنين الأصليين، مستندة إلى معلومات من المحاكم التي نظرت في هذه القضايا لتقديم فيلم نقدي مؤثر يسلط الضوء على استمرار النزاعات العنيفة وقضايا الاستيطان في هذا السياق.

تتيح هذه الأفلام الثلاثة، من خلال قصصها المتشابكة، فرصة للتفكير في العزلة الفردية، وتحديات الاندماج الثقافي للمهاجرين، والآثار الطويلة الأمد للعنف التاريخي والاستيطان. ومن المتوقع أن تستمر هذه الأفلام في إثارة النقاشات حول هذه القضايا الحيوية في الأوساط السينمائية والاجتماعية.