شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال… أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

رحيل روبرت دوڤال: نجم السينما الأمريكية الذي أتقن فن الهدوء

في الخامس عشر من فبراير (شباط) الحالي، أسدل الستار على مسيرة فنية حافلة بالتميز، برحيل الممثل الأسطوري روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عامًا. لطالما عُرف دوڤال بقدرته الفريدة على تجسيد شخصيات لا تُنسى، حيث قدم أداءً هادئًا وطبيعيًا استحوذ على قلوب المشاهدين والنقاد على حد سواء. من أدوار تاريخية في “العرّاب” إلى شخصيات أيقونية في “القيامة الآن”، ترك دوڤال بصمة لا تُمحى في تاريخ السينما الأمريكية، مؤكدًا على أن القوة الحقيقية تكمن في العمق الهادئ والاندماج السلس مع الشخصية.

يُعد رحيل روبرت دوڤال خسارة كبيرة لعالم السينما، ولكن إرثه الفني سيظل خالدًا. كانت موهبته الاستثنائية واضحة في كل دور لعبه، بدءًا من ظهوره الصامت والمؤثر في “لقتل طائر ساخر” (1962)، مرورًا بدوره القصير واللافت كسائق تاكسي في “بولِت” (1968)، وصولًا إلى شخصياته المعقدة في “العرّاب” بأجزائه الأول والثاني، وانتهاءً بدوره الجنرالي المذهل في “القيامة الآن” (1979). لقد أثبت دوڤال مرارًا وتكرارًا أنه أحد أفضل ممثلي جيله، إن لم يكن تاريخ السينما بأكملها، بقدرته على استحضار جوهر الشخصية دون الحاجة إلى مبالغات أو استعراضات.

مسيرة فنية تميزت بالهدوء والعمق

بدأت مسيرة دوڤال السينمائية بأدوار صغيرة لكنها تحمل بصمة مميزة، حيث لم يمنعه غياب الكلام في أول أدواره من ترك انطباع قوي. في فيلم “لقتل طائر ساخر”، ورغم أنه لم ينطق بكلمة واحدة، استطاع أن يجسد شخصيته بكل براعة. بعد سنوات من العمل في التلفزيون، شق طريقه إلى الشاشة الكبيرة ليقدم أدوارًا أصبحت علامات فارقة. في فيلم “بولِت”، جسد سائق تاكسي لم يكن مجرد وسيلة لنقل البطل، بل كان جزءًا حيويًا من نسيج القصة، حيث أظهر من خلال تعابير وجهه البسيطة وحواراته المختصرة فهمًا عميقًا لشخصيته ودوره.

خلال السبعينيات، سطع نجم دوڤال بشكل أكبر مع مشاركته في أعمال كلاسيكية مثل “العرّاب” بجزأيه الأول والثاني. في هذين الفيلمين، برز كأحد أهم الممثلين إلى جانب عمالقة آخرين مثل مارلون براندو وآل باتشينو. تميز أداؤه بالهدوء والرزانة، حيث لم يسعَ أبدًا إلى التفوق على زملائه، بل قدم شخصية محامي العائلة بمهنية وإتقان، مساهمًا في نجاح العمل ككل. أسلوبه في التمثيل، الذي أكد فيه على أهمية الاستماع والتفاعل الطبيعي، جعله متميزًا عن تقنيات التمثيل الأخرى.

ربما يكون دوره الأكثر شهرة وتأثيراً هو شخصية الجنرال كيرتز في فيلم “القيامة الآن”. في هذا العمل الملحمي المناهض للحرب، قدم دوڤال أداءً لا يُنسى، حيث عبّر عن جنون الحرب والتطرف بنشوة مرعبة. جمله الشهيرة ورغم قسوتها، أصبحت جزءًا من الذاكرة السينمائية. لم يكن هذا الدور استثناءً، بل كان تأكيدًا لنهجه في الغوص العميق في دواخل الشخصيات وتقديمها بواقعية صادمة.

إرث يتجاوز الأداء

لم يقتصر عطاء روبرت دوڤال على التمثيل، بل امتد ليشمل الإخراج، حيث أخرج خمسة أفلام خلال مسيرته، أبرزها “أنجلو حبي” (1983). كما استمر في تقديم أدوار قوية في أفلام وسترن حديثة مثل “مروج مفتوحة” (2003)، الذي اعتبره النقاد أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الأخيرة. هذا التنوع في الأدوار والإنتاج أكد على شغفه العميق بفن السينما وتفانيه في تقديمه بأبهى صوره.

يُعد روبرت دوڤال مثالًا للممثل الذي أثبت أن البساطة والصدق في الأداء يمكن أن تكون أقوى من أي تقنية معقدة. لقد غيّر مفهوم التمثيل الهادئ، وأظهر أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الشخصية الكبيرة. يبقى اسمه محفورًا في سجلات السينما الأمريكية كأحد روادها، وكفنان حقيقي استطاع أن يلامس القلوب بعمق أدواره وروحه الفنية.

تقييم لأبرز أفلام روبرت دوڤال:

  • 1962: To Kill a Mockingbird (إلى قتل طائر ساخر) ★★★
  • 1968: Bullitt (بولِت) ★★★★
  • 1969: True Grit (جرأة حقيقية) ★★★
  • 1972: The Godfather (العرّاب) ★★★★★
  • 1974: The Godfather II (العرّاب 2) ★★★★★
  • 1973: The Outfit (المنظمة) ★★★★
  • 1975: The Killer Elite (نخبة القاتل) ★★★
  • 1976: Network (شبكة) ★★
  • 1979: Apocalypse Now (القيامة الآن) ★★★★★
  • 1981: True Confessions (اعترافات حقيقية) ★★★★
  • 1983: Tender Mercies (رحمات ناعمة) ★★★★
  • 1983: Angelo My Love (أنجلو حبي) ★★★★
  • 2003: Open Range (مروج مفتوحة) ★★★★★

(★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز)

يبقى السؤال الآن هو كيف ستستمر السينما في تكريم إرث روبرت دوڤال؟ سيشهد العام المقبل مراجعات شاملة لأعماله، وقد يتم الإعلان عن تكريمات خاصة في مهرجانات السينما الكبرى. يترقب محبو السينما بشغف ما إذا كانت هناك أعمال غير منشورة قد تظهر، وكيف سيتم الحفاظ على ذاكرة هذا الفنان الاستثنائي للأجيال القادمة.