في عالم الشعر، حيث تتنافس الكلمات للتعبير عن أعمق المشاعر والأفكار، يقدم هذا المقال استعراضًا لأبرز القصائد التي تركت بصمة واضحة في العام الحالي. بعيدًا عن محاولات تعريف “الأفضل” المطلق، والذي غالبًا ما يخضع لتأثير صناعة الذوق، يركز هذا الاستعراض على القصائد التي أحدثت وقعًا عميقًا لدى قراءها، مسلطًا الضوء على أعمال تستحق التوقف عندها وتقديرها.
أصوات شعرية متوهجة: إضاءات على روائع العام
يأتي هذا المقال ليقدم نظرة معمقة على مجموعة مختارة من القصائد التي أثرت بشكل كبير في الساحة الشعرية، متجاوزةً مفهوم “الأفضل” التقليدي لتركز على ما يلامس الروح ويستفز الفكر. هذه القصائد، التي اختارتها نقدة الشعر إليسا غابرت، تمثل بانوراما متنوعة تعكس قضايا إنسانية عميقة، تجارب شخصية مؤثرة، ورؤى جديدة للعالم.
قصيدة “إنقاذ” لهيدجي تشوي: جرأة تتحدى قسوة العالم
تُظهر قصيدة “إنقاذ” للشاعر هيدجي تشوي، وهي عمله الأول، جرأة لافتة وثقة شبابية تتحدى الواقع. تلامس القصيدة بأسطرها الأولى حساسية القارئ، حيث تقول: “أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك”. هذه العبارة، التي يصفها النقاد بأنها مواجهة مباشرة، تعكس منظوراً فريداً يغوص في أعماق النفس الإنسانية. تتسم القصيدة بروح ساخرة، بل ووحشية أحيانًا، لكنها جذابة بطريقة تجبر القارئ على إعادة النظر في مفاهيم معقدة مثل أهمية الحقائق، كما تتساءل في قصيدة “مراحل”: “هل من المهم معرفة الحقائق؟… ربما لا”.
“أعرف بعض الأشياء” لريتشارد سايكن: سيرة ذاتية في زمن العاصفة
يُعد كتاب ريتشارد سايكن “أعرف بعض الأشياء” تجربة شعرية قاسية وممتعة بشكل شبه مازوخي. تأتي هذه القصائد، التي كُتبت بعد السكتة الدماغية التي تعرض لها الشاعر، لتقدم سيرة ذاتية موجزة، معتبرةً الفترة الزمنية بعد الأزمة “نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه”. يتعامل العمل بفزع مع الشيخوخة والموت، وتحديات استعادة الجسد والعقل، مستكشفاً مفهوم الذاتية كمشروع طويل الأمد ودفاع ضد العدم. تتخلل القصيدة عبارات مخيفة مثل “كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع”، مما يعكس هشاشة الحياة.
“رحمة الدم” لآي. إس. جونز: أساطير متجددة في براثن القوة
تُعيد قصائد آي. إس. جونز في عملها الأول “رحمة الدم” تفسير قصة قابيل وهابيل، مقدمةً الأخوين كأختين، مستحضرةً قوة الأسطورة المعقدة. تركز القصائد على التفاعل المستمر مع فكرة القوة، سواء تلك التي نستسلم لها أو نطالب بها. تتجسد هذه الأفكار في رمزيات الدم، الشفرات، والماعز القرباني، مما يخلق مساحة تجمع بين الواقع والرمز، الحاضر والأبدي. تبرز جمل مثل “معظم الألم منعدم الفائدة… لكنه أقدم أغنية للجسد”، لتعكس عمق التجربة الإنسانية.
“غزة: القصيدة قالت ما لديها” لناصر رباح: صوت فلسطين بين الرعب والجمال
تعكس مختارات الشاعر الفلسطيني ناصر رباح “غزة: القصيدة قالت ما لديها” تحديات الترجمة وصعوبة نقل التجربة الفلسطينية إلى لغة عالمية. سعى المترجمون إلى تجنب “الإفراط في الترجمة”، مما أدى إلى ظهور غرابة واغتراب مألوفين في المناطق السريالية التي تتشابك فيها صور الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى. تحمل القصائد صوراً لا تُنسى، منها: “أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى…”.
“ابنة المينوتور” لإيفا لوكا: السحر والتجسد في عالم الهجين
تتميز قصائد إيفا لوكا، المترجمة عن السلوفاكية، بسحرها الخاص الذي يلامس القارئ منذ السطور الأولى. تتعمق هذه القصائد في استكشاف الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، كالرجال-الوحوش والأسماك-الطيور. تتجلى هذه الفكرة بوضوح في قصيدة “الأخت البرية”: “مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً”. كما تستلهم قصائد لوكا من لوحات ليونورا كارينغتون، مقدمةً رؤى غامضة تذكرنا بحكايات الأساطير القديمة.
“نوبات غضب في الهواء” لإميلي سكيلينغز: جمال الفراغ وذكاء الغرابة
تُظهر إميلي سكيلينغز، من خلال مجموعتها الثانية “نوبات غضب في الهواء”، حبًا للفراغ وتزيينه. تتسم قصائدها بدمج ما هو غريب وقاسٍ مع ما هو براق وحالم. تشبه القصائد مسرح عبثي في بيت دمى مسكون، مع إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، كما لو أن الشعراء “شيء آخر” وليسوا مجرد أذكياء. تختتم المقالة بتأمل في قصيدة أسرت الكاتبة، تتحدث عن الفئران والفجوات بين الأشياء، وكأنها “غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء”.
تستمر إليسا غابرت في تقديم رؤى شعرية عميقة، مع مجموعتها الشعرية والقصصية الأخيرة “المسافة الطبيعية”. القراء مدعوون لمواصلة استكشاف هذه الأعمال الشعرية الغنية، ومراقبة كيف ستستمر هذه الأصوات في تشكيل المشهد الشعري.




























