إذا كان هناك اسم واحد يجسد حقبة الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي، الرجل الذي لم يكن مجرد شاهدٍ عليها، بل كان مهندسًا رئيسيًا لها. تعود شخصية زبيغنيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، إلى الضوء من خلال سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن “بلومسبري” بعنوان “زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي”. يرسم الكتاب صورة دقيقة لأكاديمي لامع وسياسي عنيد وواثق من نفسه بشكل مفرط، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.
تستند هذه السيرة إلى أرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية، وتبدأ من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد في وارسو عام 1928 لعائلة أرستقراطية دبلوماسية. دفعت صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته للهجرة إلى كندا عام 1938، حيث راقب الشاب تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، مما شكل وعيه السياسي المبكر وولّد لديه عداءً جذرياً ومستمرًا تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا.
زبيغنيو بريجينسكي: مهندس استراتيجيات الحرب الباردة
بعد تخرجه من جامعة ماكغيل الكندية، انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد، حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي. حدد في أطروحته التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي كنقطة ضعف هيكلية ستؤدي حتماً إلى انهيار الإمبراطورية السوفياتية، معتقدًا أن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. طور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية “الاشتباك السلمي” للتعامل مع دول أوروبا الشرقية، مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.
بلغ بريجينسكي ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977. يستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير مع وزير الخارجية سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية. شجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.
تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود. بينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً. نجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.
يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان. رأى بريجينسكي أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. دفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى “فيتنام سوفياتية”. يؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم “القاعدة”، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.
شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث بريجينسكي الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. تفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر، لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية “مخلب النسر” التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.
في ملف الشرق الأوسط، كان بريجينسكي براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير “اللوبي الإسرائيلي” على السياسة الخارجية الأميركية.
توقعات وتداعيات سياسات بريجينسكي
مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد بريجينسكي ثمار تنبؤاته المبكرة. ساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة “تضامن” البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. في حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية. كان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.
عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. عارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية. كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.
نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية زبيغنيو بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب المهاجرة في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم. تستمر تداعيات هذه الرؤى والاستراتيجيات في تشكيل التوترات والتحالفات العالمية التي نشهدها اليوم، مما يجعل دراسة إرثه أمراً بالغ الأهمية للمراقبين المستقبليين.




























