بعد عام على قرارات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، شهد سوق العقارات في الرياض تحولاً جذرياً، حيث انخفضت قيم الصفقات بنسبة 64%، مما يشير إلى تراجع المضاربات وبدء مرحلة “التصحيح الكبير” نحو نموذج عقاري مستدام. تعكس هذه الأرقام، الصادرة عن البورصة العقارية، نجاح حزمة القرارات التي صدرت في مارس 2025، والتي هدفت إلى إعادة التوازن للسوق العقارية.
هدفت قرارات ولي العهد إلى فك الحظر عن ملايين الأمتار المربعة شمال العاصمة، وتفعيل رسوم الأراضي الشاغرة، وتجميد زيادات الإيجارات، مماساهم في استقرار تكاليف السكن والحد من القفزات السعرية غير المبررة. وقد أظهرت بيانات البورصة العقارية تراجعاً في قيم الصفقات الإجمالية لتصل إلى حوالي 17.3 مليار دولار، مقارنة بـ 48.3 مليار دولار في العام السابق، مما يفسره الخبراء بانتقال السيولة من مضاربة الأراضي إلى مشروعات التطوير السكني.
إعادة تشكيل السوق العقارية: من المضاربة إلى الاستدامة
يؤكد مختصون عقاريون أن هذه الإجراءات التاريخية أعادت تشكيل السوق العقارية في الرياض نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي. وأوضح الخبير العقاري صقر الزهراني أن تراجع قيمة الصفقات لا يعكس ضعفاً بل انحساراً للمضاربات التي كانت ترفع الأسعار بشكل غير متناسب مع الطلب السكني. وقد أسهمت قرارات التوازن العقاري في وضع مرجعية سعرية جديدة للأراضي السكنية، خصوصاً مع طرح الأراضي المدعومة بسعر يقارب 1500 ريال للمتر المربع، مما أعاد ضبط التوقعات السعرية وحد من الارتفاعات غير المبررة.
وأشار الزهراني إلى “السقوط الحر” الذي شهدته أسعار الأراضي الخام شمال الرياض، حيث تراجعت بنسب لافتة بعد سنوات من الارتفاعات السريعة التي غذتها المضاربات. ويعتبر هذا التراجع جزءاً من عملية تصحيح طبيعية تعيد تسعير الأراضي وفق معايير أكثر واقعية مرتبطة بقيمة التطوير والطلب السكني الفعلي.
تحول في سلوك السوق ونماذج التطوير
خلال عام من تطبيق قرارات التوازن العقاري، برز انتقال جزء من السيولة من المضاربة إلى التطوير العقاري، مع توجه أكبر نحو مشروعات التطوير المنظم. كما عاد المشتري السكني الحقيقي ليقود السوق بعد تراجع دور المستثمرين قصيري الأجل. وبدأت تظهر مشروعات البيع على الخريطة، وهو نموذج يُتوقع أن يتوسع لتوفير حلول لزيادة المعروض السكني وخفض تكلفة التملك.
وفقاً للخبير العقاري عبد الله الموسى، دخلت السوق العقارية في الرياض مرحلة مفصلية، حيث تم إعادة تشكيل سلوك السوق وإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب. التراجع في الصفقات يعكس مرحلة إعادة ضبط لإيقاع السوق، حيث يميل المشترون للتريث والمطورون لمراجعة استراتيجيات التسعير.
مستقبل السوق: نضج واستقرار
يتوقع الزهراني أن تتجه السوق العقارية في الرياض إلى مرحلة أكثر نضجاً واستدامة، مع توسع مشروعات البيع على الخريطة وزيادة المعروض داخل المدن نتيجة استمرار الإصلاحات التنظيمية، مما سيقود إلى استقرار الأسعار وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب. وما تشهده السوق حالياً هو إعادة تشكيل نحو نموذج قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، داعماً مستهدفات التنمية العمرانية وجودة الحياة.
ووضح الموسى أن هذه المرحلة أسهمت في تقليص حجم المضاربات العقارية، مشجعةً التوجه نحو التطوير الفعلي للأراضي. وما يحدث اليوم هو مرحلة انتقالية تعيد صياغة قواعد السوق، لتنتقل من سوق تقودها المضاربات إلى سوق أكثر نضجاً واستقراراً يعتمد على القيمة الحقيقية للأصول العقارية وكفاءة التطوير طويل الأجل، مما يجعل هذا التحول خطوة مهمة نحو سوق عقارية أكثر استدامة.
ويُتوقع أن تستمر السوق العقارية في الرياض في مسار أكثر توازناً ونضجاً، مع ارتباط المنافسة بجودة المنتج وكفاءة التطوير، واستمرار المشروعات الكبرى التي تشهدها المدينة، مما يبقي القطاع العقاري محفزاً للنمو.
ماذا بعد؟
تترقب السوق العقارية في الرياض استمرار تنفيذ الإصلاحات التنظيمية، وعلى رأسها رسوم العقارات الشاغرة، والتي يُنتظر أن تسهم في تفعيل الأصول غير المستغلة. يبقى التحدي معرفة مدى سرعة استجابة المطورين وزيادة المعروض السكني لتلبية الطلب الفعلي، وتقييم تأثير التغيرات الاقتصادية العامة على حركة السوق.




























