على الرغم من إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على قرب انتهاء الحرب في المنطقة، تشير النقاشات داخل البيت الأبيض إلى قلق متزايد بشأن تداعيات صدمة الطاقة المحتملة. لم يعد الأمر مقتصراً على تكلفة العمليات العسكرية، بل يتسع ليشمل التساؤلات حول ما سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة ووصل سعر النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل، مما قد يقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية عالمية. هذا القلق يتزايد في ظل تعامل داخلي أميركي مع سعر 100 دولار للبرميل كنقطة أساسية لا سقف، والبحث عن أفكار طارئة لاحتواء تبعات محتملة.
في تطور لافت، كان لـتصريحات ترمب الإيجابية بشأن قرب انتهاء الأعمال العسكرية أثر مؤقت على الأسواق يوم الأربعاء الماضي، حيث تراجع سعر برنت إلى ما يقارب 102 دولار للبرميل بعد أن قفز بقوة خلال مارس. لكن هذا التراجع لا يلغي حقيقة أن الأسواق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز كخطر وشيك وأكبر يهدد الاقتصاد العالمي.
صدمة الطاقة: سيناريوهات 150 و200 دولار للبرميل
لم يعد النقص في إمدادات النفط مجرد خطر نظري. يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والبنية التحتية للطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة تتسم بنقص مادي فعلي. حذرت وكالة الطاقة الدولية يوم الأربعاء من أن خسائر الإمدادات في أبريل قد تتضاعف مقارنة بمارس، مما يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً وليس غائباً.
حتى لو انخفضت أسعار النفط لفترة وجيزة بفعل تصريحات سياسية، فإن استمرار نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل يواصل الضغط على الاقتصاد العالمي. لذلك، لم يعد الحديث عن 150 دولاراً مجرد تهويل إعلامي، ويبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً بشكل كبير باستمرار إغلاق مضيق هرمز أو بتوسع نطاق الضربات على منشآت الطاقة.
الخطط المطروحة لمواجهة الأزمة الاقتصادية
لا تعلن إدارة ترمب عن خطة واحدة حاسمة، بل تبحث عن سلة من أدوات الطوارئ. يشير تقرير في “بوليتيكو” إلى بحث “صلاحيات طارئة إضافية” والتنسيق عبر “المجلس الوطني لهيمنة الطاقة” بمشاركة وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. يدرس مسؤولو البيت الأبيض كل فكرة يمكن أن تساهم في تخفيف أسعار الطاقة أو الحد من اضطراب سلاسل التوريد.
على المستوى الدولي، تُعد السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية أحد الخيارات الواقعية، وهو ما تدرسه وكالة الطاقة الدولية بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل. كما تناقش بعض الدوائر إجراءات لخفض الطلب مثل تشجيع العمل عن بُعد أو ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. إلا أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تنهيها، فالمشكلة الأساسية تكمن في مضيق هرمز وسلامة منشآت الطاقة.
تظل الخيارات الحساسة سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، محل قلق داخل قطاع الطاقة، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كما أن زيادة الإنتاج الأميركي ليست حلاً سريعاً بسبب القيود اللوجستية والتكريرية والسوقية. لذلك، تبدو واشنطن قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى الوضع الطبيعي.
تداعيات أزمة الطاقة المحتملة
داخلياً في الولايات المتحدة، يتساوى الخطر السياسي مع الخطر الاقتصادي. تجاوز متوسط سعر البنزين 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستثقل كاهل الأسر، خاصة الفئات الأفقر، من خلال ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والسلع. هذه الصدمة النفطية تشبه “ضريبة” واسعة النطاق تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي.
خارجياً، التداعيات أوسع نطاقاً. تستعد أوروبا لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو، بينما تعاني آسيا بالفعل من شح في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن أزمة الطاقة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة. في هذا السياق، خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. إن نفط الـ150 أو الـ200 دولار لا يهدد جيوب المستهلكين فحسب، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق العالمية.
في الختام، تمتلك إدارة ترمب “خططاً” بالمعنى الإجرائي، لا “حلّاً” بالمعنى الاستراتيجي. توجد أدوات طوارئ واحتياطات يمكن السحب منها ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى مرهوناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طالت فترة الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فقد يجد البيت الأبيض نفسه أمام حقيقة قاسية: أن الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية تطول أمدها وتؤثر على الاقتصاد العالمي بأكمله.



























