تشهد مصر حالة من القلق المتزايد مع تحرك مفاجئ للدولار، حيث تجاوز حاجز 48 جنيهاً لأول مرة منذ خمسة أشهر. يأتي هذا الارتفاع، الذي وصفه خبراء اقتصاديون بالمفاجئ، على الرغم من ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي وتشهد تحويلات المصريين العاملين بالخارج مستويات قياسية، مما يثير تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا التقلب في سوق الصرف.
قلق مصري من تحرك مفاجئ للدولار وتداعياته الاقتصادية
شهدت البنوك المصرية يوم الأربعاء ارتفاعاً ملحوظاً في سعر صرف الدولار، حيث زاد بنحو 23 قرشاً. ويرجع خبراء اقتصاديون هذا الارتفاع إلى جملة من العوامل. من بين هذه العوامل، خروج بعض استثمارات “أذون الخزانة المحلية” من البورصة، نتيجة لقرار خفض أسعار الفائدة. كما تلعب المخاوف من زيادة التوترات الجيوسياسية، واحتمالات تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، دوراً في زيادة الطلب على العملة الصعبة، مما يضع ضغطاً إضافياً على الجنيه المصري.
كان المواطنون، مثل حسن أحمد، موظف في الخمسينات من عمره، قد بدأت آمالهم في رؤية انعكاس لارتفاع قيمة الجنيه أمام الدولار، الذي بلغ نحو 6.2 في المائة خلال عام 2025، على أسعار السلع المستوردة. إلا أن التراجع الأخير للجنيه بعثر هذه الآمال، وبات يخشى من قفزات جديدة في الأسعار، خاصة مع ضعف الرقابة على الأسواق.
يشير حسن، الذي يسكن في حي إمبابة الشعبي بمحافظة الجيزة، إلى أن الأسعار شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال شهر رمضان، بالرغم من استقرار سعر صرف الجنيه أمام الدولار. ويتوقع أن تتفاقم هذه الزيادات مع اقتراب عيد الفطر. ورغم ذلك، يبدي ثقته في قدرة الحكومة على الحفاظ على استقرار الجنيه وتجنب تراجعات حادة.
تُظهر بيانات البنك المركزي المصري ارتفاعاً في احتياطي النقد الأجنبي ليصل إلى 52.594 مليار دولار بنهاية يناير الماضي، مقارنة بـ 51.452 مليار دولار في ديسمبر 2025. بالإضافة إلى ذلك، سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2025 تدفقات قياسية تاريخية، حيث ارتفعت بنسبة 40.5 في المائة لتصل إلى نحو 41.5 مليار دولار.
في ظل هذه المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، تزايدت التساؤلات على مواقع التواصل الاجتماعي حول أسباب تراجع الجنيه. طالب بعض المستخدمين الحكومة بتبني سياسات نقدية متوازنة ومرنة، ووضع ضوابط تضمن استقرار الأسعار ومكافحة التضخم، دون تأثر كبير بتقلبات سعر الصرف.
وفقاً لبيانات البورصة المصرية، قامت مبيعات من مستثمرين عرب وأجانب بسحب جزء من استثماراتهم في أذون الخزانة المحلية، بما يعادل 1.2 مليار دولار في السوق الثانوية منذ بداية الأسبوع الحالي، مما زاد الضغط على العملة المصرية.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي تامر النحاس أن الحكومة تواجه أول اختبار حقيقي بعد قرار البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة، والذي أدى إلى فقدان الجنيه 100 قرش من قيمته خلال أسبوع واحد. وأشار إلى أن سحب جزء من “الأموال الساخنة” عرض الجنيه لمزيد من التراجع. وأوضح أن الانخفاض الحالي يعود أيضاً إلى قيام بعض الشركات بترحيل أرباحها السنوية إلى خارج مصر، مما شكل ضغطاً إضافياً على العملة الصعبة.
في بداية الشهر الجاري، اتخذ البنك المركزي قراراً بخفض أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس، وهو القرار السادس خلال الأشهر العشرة الماضية، ضمن اجتماعات لجنة السياسة النقدية لعام 2026.
أوضح النحاس أن الحكومة تواجه أول طلب متزايد على الدولار منذ عدة أشهر، وأن تراجع الجنيه ليس مؤشراً إيجابياً. ويعتقد أن ذلك يبرهن على استمرار الاعتماد على “الأموال الساخنة” و “ودائع الدول الخليجية في البنوك” لدعم الجنيه، مما يسبب قلقاً ممزوجاً بمخاوف من اندلاع حرب وشيكة بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي سياق متصل، يرى النحاس أن الجنيه لا يواجه أزمة قد تؤدي إلى موجة تضخمية حادة في الوقت الحالي. إلا أنه يتوقع حدوث ذلك في حال نشوب حرب أمريكية-إيرانية. وتكمن المخاوف الرئيسية في هروب جماعي للأموال الساخنة، أو تقييد تحويلات المصريين من الخارج، أو تأثر قطاعات حيوية كالسياحة وقناة السويس سلباً نتيجة لاندلاع حرب جديدة في المنطقة.
ويذكر أن الحرب الروسية الأوكرانية، التي اندلعت في فبراير 2022، شهدت خروج رؤوس أموال أجنبية من السوق المصرية بقيمة 20 مليار دولار، حسبما أعلنت وزارة المالية في ذلك الوقت. وتعتمد الحكومة المصرية بشكل كبير على “الأموال الساخنة”، حيث وصل رصيد استثمارات الأجانب في أدوات الدين إلى 40 مليار دولار نهاية العام الماضي.
في المقابل، يؤكد الخبير الاقتصادي خالد الشافعي أن التراجع الذي شهده الجنيه هو “تراجع طفيف” ولن يؤثر على أدائه العام أمام العملات الأجنبية. ويعتبر هذه المرحلة بمثابة تصحيح للأوضاع وليست تراجعاً مستمراً، خاصة بعد أن حافظ الجنيه على أداء إيجابي مقابل العملات الأجنبية خلال العام الماضي، وبشكل خاص منذ تحرير سعر الصرف في عام 2024.
تترقب مصر حالياً موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على التقرير الخاص بالمراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، مما سيمكن مصر من الحصول على نحو 2.4 مليار دولار قيمة الشريحتين.
ويرى الشافعي أن صرف هاتين الشريحتين سيكون دافعاً قوياً للحفاظ على تماسك الجنيه أمام الدولار، ويعكس تنفيذ الحكومة للعديد من الإصلاحات الاقتصادية، مما يساهم في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.




























