شهدت الأسواق العالمية تحولاً دراماتيكياً في شهر مارس (آذار)، حيث تلاشت حمى البيع لتحل محلها موجة واسعة من الشراء، مدفوعة بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض حول قرب انتهاء الصراع في إيران. هذا التفاؤل انعكس إيجاباً على البورصات في آسيا وأوروبا و”وول ستريت”، مسجلة انتعاشاً واسعاً، بينما تراجعت أسعار الطاقة بشكل ملحوظ.
جاء هذا الانتعاش بعد تداعيات “مارس الأسود” التي ألقت بظلالها على الأسواق، حيث أدت الأحداث الجيوسياسية إلى اضطرابات كبيرة. وبين وعود ترمب بانتهاء قريب للعمليات العسكرية وهواجس استمرار تهديد مضيق هرمز، تحاول الأسواق العالمية استعادة توازنها وتتسع آمال المستثمرين.
انتعاش الأسواق العالمية بعد “مارس الأسود”
أشعل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.
تفاعل الأسواق إيجاباً جاء رغم تصريح ترمب بأن القوات الأمريكية لن تعمل على “فتح مضيق هرمز” وترك المهمة لدول أخرى. هذا التصريح أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي، مما يعكس هواجس هرمز على استقرار الأسواق العالمية.
الأسواق الآسيوية والأوروبية تتصدر المكاسب
في آسيا، قفز مؤشر «كوسبي» في سيول بأكثر من 8 في المائة، بدعم من صعود أسهم «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس». كما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة. وامتدت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة، مع مكاسب لقطاع الطيران والمصارف.
ارتفعت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.
كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا مما دفع العوائد إلى التراجع، حيث انخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي. وتراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.
تذبذب أسعار النفط وتحذيرات وكالة الطاقة
انخفض خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة، قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة. ولكن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026. وتترقب أسعار النفط العالمية هذه التطورات.
حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا، وفقاً لرئيس الوكالة فاتح بيرول. وأفاد بيرول أن «فقدان النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال»، مشيراً إلى أن المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل.
الذهب يتنفس الصعداء وتوقعات الفيدرالي
قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً.
أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأمريكية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأمريكي.
الأنظار تتجه الآن نحو خطاب الرئيس ترمب المرتقب، والذي قد يقدم المزيد من الوضوح بشأن التطورات الجيوسياسية وتأثيرها على السياسات الاقتصادية والنقدية. كما ستظل هواجس مضيق هرمز عاملًا مهماً يراقبها المستثمرون، مما يترك الأسواق في حالة ترقب وتذبذب بين التفاؤل والحذر.




























