تُشير النصائح الطبية غالباً إلى أهمية الحفاظ على قوة العضلات مع التقدم في العمر لمواجهة آثار الشيخوخة. ولكن هناك جانباً آخر من صحتنا قد لا نوليه اهتماماً كافياً، وهو “قوة قبضة اليد”، التي تعتبرها الأوساط الطبية مؤشراً حيوياً على الصحة العامة.
فما هي دلالات قوة قبضة اليد، وكيف ترتبط بصحتنا الشاملة، وما الذي يمكن فعله لتعزيزها؟ تشير الأبحاث إلى أن قوة قبضتك قد تكون مفتاحاً لفهم أعمق لحالتك الصحية.
قوة القبضة: أكثر من مجرد قوة يدوية
تُعدّ قوة قبضة اليد، وهي مقدار القوة التي يمكن للشخص ممارستها عند إحكام القبضة، عاملاً حاسماً في أداء العديد من المهام اليومية. ولكن دورها يتجاوز مجرد المساعدة في الأنشطة الروتينية؛ إذ يعتبرها المتخصصون الطبيون “مؤشراً حيوياً” للصحة العامة لدى الرجال والنساء على حد سواء، وفي مختلف مراحل العمر.
يشير خبراء من “كليفلاند كلينك” إلى أن قوة القبضة هي مقياس هام للصحة العامة، وتبدأ في التراجع بشكل طبيعي بعد سن الخمسين تقريباً. ويضيفون أن الأفراد الذين يحافظون على قوة قبضتهم يميلون إلى الشيخوخة بشكل أبطأ، ويتمتعون بصحة أفضل لفترة أطول، ويتمتعون بقوة أكبر في جميع أنحاء الجسم.
التداعيات الصحية لضعف قبضة اليد
غالباً ما يتم إغفال ضعف قوة القبضة حتى تظهر صعوبات واضحة في أداء بعض المهام اليومية. ويُعدّ هذا الضعف إشارة إلى انتشار الضعف العضلي في مختلف أنحاء الجسم. تُفسر قوة القبضة، بسهولة قياسها، مدى قوة العضلات المتبقية في الجسم.
يؤكد أطباء “كليفلاند كلينك” على أن التراجع في قوة العضلات يؤدي إلى استبدال الأنسجة العضلية بأنسجة دهنية، وهي حالة تعرف طبياً بـ “ضمور العضلات” (Sarcopenia). هذا الضمور يؤثر على القدرة على الحركة والتوازن والتحمل، ويضعف بشكل عام قدرة الجسم على أداء وظائفه.
أظهرت دراسات، وفقاً للأطباء، وجود علاقة بين قوة القبضة وقدرات المشي وصعود الدرج. فالرجال الذين تقل قوة قبضتهم عن 37 كيلوجراماً تقريباً، والنساء الذين تقل قوتهم عن 20 كيلوجراماً، يواجهون صعوبات أكبر في الحركة. وهذا يخلق حلقة مفرغة: قلة الحركة تؤدي إلى ضعف العضلات، مما يزيد من خطر السقوط والكسور.
قياس وتعزيز قوة القبضة
يتم قياس قوة قبضة اليد باستخدام جهاز يسمى “مقياس قوة اليد” (Hand Dynamometer)، وهو جهاز محمول يقيس أقصى قوة يمكن للشخص توليدها عند إحكام القبضة. يتم القياس عادة بالكيلوغرام، وتُعتبر القوة التي تزيد عن 26 كيلوجراماً للرجال و16 كيلوجراماً للنساء ضمن المعدل الطبيعي.
تساعد تمارين تقوية قبضة اليد، مثل استخدام أدوات ضغط اليد أو كرات الضغط، على تحسين التوازن، وتقليل خطر السقوط والكسور، وتعزيز الاستقلالية الوظيفية في أداء المهام اليومية. كما ترتبط هذه التمارين بتحسين وظائف التمثيل الغذائي، وقد تساهم في تنظيم مستويات السكر في الدم وتقليل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة.
تشير الأبحاث إلى أن قوة قبضة اليد ترتبط أيضاً بالصحة الإدراكية والنفسية، حيث يرتبط ضعفها بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق وضعف الإدراك. وتُعدّ الكتلة العضلية، التي تعكسها قوة القبضة، عنصراً حاسماً في قوة الجهاز المناعي ومرونته، مما يقلل من القابلية للإصابة بالعدوى وفترات التعافي البطيئة.
في دراسة مشتركة بين جامعتي هارفارد وكوين ماري، وجد باحثون أن قوة قبضة اليد يمكن أن تكون مؤشراً على قوة عضلة القلب. فالأفراد ذوو القبضة القوية يميلون إلى مخاطر أقل للإصابة بأحداث قلبية. وتُعدّ هذه الأداة لقياس اللياقة العضلية غير مكلفة وسهلة التطبيق، وتوفر رؤى قيمة حول المخاطر الصحية بغض النظر عن الوزن أو مؤشر كتلة الجسم.
النظرة المستقبلية
يُعدّ دمج تمارين تقوية القبضة مع تمارين المقاومة لكامل الجسم نهجاً شاملاً لتعزيز الصحة العامة. ومع ذلك، لا تزال الحاجة مستمرة لفهم أعمق للعلاقة بين قوة القبضة والصحة المتكاملة، والآليات التي تربط بينهما، وكيفية تطوير برامج تدخل مؤثرة.































