محتوى الذكاء الاصطناعي… عواقب لا رجعة فيها على الأطفال

كشفت دراسة نفسية حديثة أن تعريض الأطفال لمحتوى الذكاء الاصطناعي في سن مبكرة قد يؤدي إلى عواقب وخيمة لا رجعة فيها على المستويين النفسي والإدراكي. الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة كانتربري في نيوزيلندا، تسلط الضوء على تزايد المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي على الإنترنت وتأثيره المحتمل على النمو الطبيعي للأطفال.

نُشرت النتائج لأول مرة في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي في مجلة “العلوم التطبيقية للنمو” (Applied Developmental Science Journal). وقد حذّر الباحثون من أن محتوى الذكاء الاصطناعي الجذاب والمخيف في آن واحد، والذي قد يتضمن مواد عنيفة أو تلميحات جنسية أو مفاهيم مغلوطة، يمكن أن يؤثر سلبًا على الأطفال الصغار خصوصًا مع صعوبة مراقبة الآباء لما يشاهده أبناؤهم.

تأثير محتوى الذكاء الاصطناعي على النمو الإدراكي والاجتماعي

حلل الباحثون بيانات من دراسة طولية في نيوزيلندا (Growing Up in New Zealand)، شملت أكثر من 6 آلاف طفل، لمراقبة أنماط استخدام الشاشات من عمر 9 أشهر وحتى 8 سنوات. ركزت الدراسة على العلاقة بين أنماط استخدام الشاشات وتأثيرها على نمو الطفل.

أظهرت النتائج أن الأطفال الذين استخدموا الشاشات بمستويات عالية باستمرار عانوا من ضعف في المهارات الإدراكية، مما أثر سلبًا على أدائهم الأكاديمي وتراجع جانبهم الاجتماعي. على النقيض، لاحظوا تأثيرًا إيجابيًا لانخفاض استخدام الشاشات على المستوى الإدراكي للأطفال، حيث تحسنت مهارات اللغة والتفاعل اللغوي بشكل ملحوظ، خاصة في مراحل الرضاعة والطفولة المبكرة.

يشير الباحثون إلى أن المحتوى المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي يتزايد بشكل كبير على منصات الأطفال مثل “يوتيوب كيدز”، وغالبًا ما يتم تشغيله تلقائيًا. ويختلف تأثير هذا المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي عن المحتوى العادي بقدرته الكبيرة على التفاعل مع الطفل واستخدام لغة بسيطة ومفهومة.

عواقب التعرض المبكر للذكاء الاصطناعي

حذّر الباحثون من خطورة التعرض الكثيف للشاشات في الوقت الحالي، نظرًا لأن معظم المحتوى المقدم مدعوم بالذكاء الاصطناعي. وأكدوا أن تحديد حجم المخاطر على أدمغة الأطفال الصغار يتطلب دراسات طولية مصممة خصيصًا. ولكن بحلول الوقت الذي تظهر فيه أدلة قوية، قد يكون جيل كامل قد نشأ معرّضًا للذكاء الاصطناعي، وقد تكون هذه الآثار لا رجعة فيها.

تشدد الدراسة على أن النمو الطبيعي للرضيع والطفل يعتمد على التفاعل ضمن مجموعات اجتماعية متنوعة، بدءًا من الأسرة وصولًا إلى الأقران والجيران. يتطلب هذا النمو اتصالاً جسديًا مباشرًا وحقيقيًا مع الآخرين لدعم التطور النفسي والإدراكي واكتساب المهارات الاجتماعية والعاطفية.

يتعلم الأطفال الكثير عن أنفسهم والعالم من خلال جميع حواسهم، وليس فقط البصر والسمع. يشمل ذلك اللمس الجسدي، وسماع أصوات الأطفال أثناء اللعب، وشم روائح مميزة للأماكن والأشخاص. هذه الأمور تنمي الحس الوجداني والعاطفي للطفل، وهو ما يفسر تعلق الإنسان بأماكن معينة، خصوصًا تلك التي شهدت طفولته المبكرة.

نظرًا لأن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه توفير كل هذه الوسائط، يمكن أن يحدث تراجع إدراكي وعاطفي للطفل. يعتمد النمو العضوي للتوصيلات العصبية في دماغ الطفل بشكل كبير على التعامل العاطفي مع الآخرين من خلال آلية “الإرسال والاستقبال” (Serve and Return)، وهي تفاعل وجداني ينمّي العواطف.

على سبيل المثال، يجب أن يُقابل كلام الطفل غير المفهوم (المناغاة) والإيماءات المختلفة والبكاء في مرحلتي الرضاعة والطفولة المبكرة بالابتسامات والكلمات والأحضان من الأم. يجب أن تستمر هذه الآلية مع نمو الطفل، مثل التفاعل معه حول تفضيلاته والاهتمام بالحديث معه في الشؤون البسيطة. هذه التفاعلات ضرورية لنمو الدماغ وبناء التوصيلات العصبية وتحسين مهارات التواصل والمهارات الاجتماعية من الولادة وحتى مرحلة ما قبل المدرسة.

تُعد سنوات ما قبل المدرسة هي الأهم في النمو الوجداني للطفل حيث يقوم الأطفال بتكوين نماذج لكيفية بناء علاقات وثيقة مع الآخرين سلباً وإيجاباً، استناداً إلى تجاربهم المبكرة. هذه النماذج تستمر طوال حياتهم وتؤثر على علاقاتهم في مرحلة البلوغ.

بالنظر إلى التفاعلية السريعة للذكاء الاصطناعي، فإنه سيؤثر سلبًا على الأطفال في مراحلهم العمرية المبكرة. لذا، يجب على الآباء حماية أبنائهم من التعرض المفرط لهذا المحتوى حتى يتمكنوا من اكتساب خبرات إنسانية وحياتية طبيعية. لا تزال هناك حاجة لمزيد من الأبحاث لفهم الآثار طويلة المدى لمحتوى الذكاء الاصطناعي على الأطفال، مع أهمية مراقبة التطورات التشريعية والتنظيمية في هذا المجال.