تُشير أحدث الدراسات إلى أن اضطرابات القلق أصبحت أكثر انتشارًا مما كان يُعتقد سابقًا، حيث يواجه واحد من كل أربعة أشخاص مستويات سريرية من القلق في حياته، بينما يعاني ما يقرب من 25% من السكان من القلق الشديد في أي وقت. وقد حذرت حملة حديثة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) في المملكة المتحدة من أن “وباء” القلق يدفع أعدادًا متزايدة من الأفراد إلى الخروج من سوق العمل، مما يهدد بعواقب اقتصادية واجتماعية وخيمة. هذا الانتشار الواسع للقلق يجعل منه قضية صحية نفسية ملحة تتطلب فهمًا أعمق وخططًا فعالة للتعامل معه.
ومع تزايد أعداد المحالين إلى خدمات العلاج النفسي، تظل ملايين الحالات دون الدعم الكافي. فقد ارتفع عدد المحالين إلى خدمات العلاج بالكلام التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية بنسبة 26% منذ عام 2018، ومن المتوقع أن يتجاوز العدد الإجمالي سبعة ملايين إحالة بحلول نهاية عام 2025. ومع ذلك، تحذر الجهات المعنية من أن العديد من الأشخاص، وخاصة في الثلاثينات والأربعينات من العمر، يعانون من وطأة القلق دون طلب المساعدة إلا عندما يصبح الوضع حرجًا، مما يؤكد على الحاجة الملحة لزيادة الوعي وتسهيل الوصول إلى الخدمات العلاجية.
يعرّف البروفيسور أوليفر روبنسون من جامعة لندن القلق بأنه استجابة طبيعية للجسم تجاه الخطر، لكن اضطرابات القلق تحدث عندما تنطلق هذه المشاعر في أوقات غير مناسبة أو بسبب أمور ليست خطيرة في جوهرها، مثل المواقف الاجتماعية، أو المواعيد النهائية، أو حتى وجود حشرة صغيرة. ورغم أن معظم الناس يدركون هذا الشعور، إلا أن استمراره يمكن أن يعيق الحياة اليومية بشكل كبير، مؤثرًا على العمل، والعلاقات الاجتماعية، والصحة العامة.
تفاقم القلق: 5 ممارسات قد تجعله أسوأ
يُعدّ البقاء منعزلًا في المنزل، خاصة لمن يعانون القلق الاجتماعي، من العوامل التي قد تزيد من حدة المشكلة. فالعزلة الاجتماعية، بمعزل عن آثارها الصحية السلبية، تزيد من القلق الاجتماعي على المدى الطويل، حيث تصبح المخاوف غير المؤكدة أقرب إلى التصديق عند عدم وجود تجارب واقعية لمواجهتها. كما أن قضاء وقت طويل بمفردك دون محفزات يمكن أن يؤدي إلى الاجترار الفكري، وهو نمط متكرر من التفكير السلبي الذي يغذي القلق والاكتئاب.
يُعدّ النوم عاملًا أساسيًا للصحة الجيدة، ويؤدي نقصه إلى زيادة التوتر بشكل كبير. البالغون الذين لا يحصلون على قسط كافٍ من النوم يبلغون عن شعورهم بتزايد القلق وتدهور المزاج. يتشابك القلق والنوم بشكل وثيق، حيث يمكن للقلق أن يسبب صعوبة النوم، كما أن الحرمان من النوم بدوره يضعف المناطق الدماغية المسؤولة عن تنظيم العواطف ويزيد من نشاط اللوزة الدماغية المرتبطة بالخوف.
يمكن أن يؤدي الإفراط في تناول الكافيين، غالبًا لتعويض نقص النوم، إلى تفاقم القلق. يعمل الكافيين كمنبه يحفز إفراز هرمون الكورتيزول، مما يثير استجابة “الكرّ أو الفرّ” في الجسم والدماغ. وقد يسبب هذا رجفة، وخفقانًا في القلب، وزيادة في الطاقة. وتشير الدراسات إلى أن الكافيين يمكن أن يثير أعراض القلق أو يزيد من تفاقمها، بل قد يزيد أيضًا من خطر الإصابة به على المدى الطويل.
تُعدّ الحلويات والوجبات الخفيفة خيارًا شائعًا للتعامل مع القلق، حيث يمكن للإندورفينات أن تخفف التوتر مؤقتًا. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى الإفراط في الأكل العاطفي، وفي الحالات الأسوأ، إلى إدمان الطعام. ترتبط الأنظمة الغذائية الغنية بالأطعمة فائقة المعالجة بزيادة خطر القلق وتفاقم أعراضه، بينما يرتبط النظام الغذائي الصحي بتحسن الأعراض وانخفاض احتمالية الإصابة به.
يرتبط الخمول وقلة النشاط البدني بزيادة خطر الإصابة بالقلق. بينما يساعد النشاط البدني على إفراز هرمونات الرضا وتخفيف التوتر، بالإضافة إلى تحسين المزاج وتنظيم استجابة الجسم للتوتر. تشير الأبحاث إلى أن البالغين الذين يمارسون الرياضة بانتظام يعانون من أعراض اكتئاب وقلق أقل.
هناك علاجات فعالة لاضطرابات القلق، بما في ذلك الأدوية، مثل مضادات الاكتئاب من فئة SSRI، والعلاج بالتعرض، والعلاج السلوكي المعرفي. بينما يجد ثلثا إلى ثلاثة أرباع المرضى هذه العلاجات فعالة، قد يحتاج الباقون إلى إدارة الأعراض على المدى الطويل. ويؤكد البروفيسور روبنسون على أهمية العلاج، مشيرًا إلى أن العديد يجدون القلق يصبح أسهل في الإدارة ويمكن خفضه إلى مستوى أقل من الحد السريري من خلال تعديلات نمط الحياة الصحية.
يبقى التحدي الأكبر هو إيصال الدعم العلاجي لمن هم في أمس الحاجة إليه، مع ضمان سهولة الوصول إلى الخدمات النفسية. ومع استمرار تزايد اضطرابات القلق، يتوقع الخبراء أن تتكثف الجهود البحثية لإيجاد حلول أكثر فعالية، مع التركيز على الوقاية وتعزيز الصحة النفسية كجزء لا يتجزأ من الصحة العامة، خاصة مع بروز تداعيات محتملة على سوق العمل والاستقرار الاجتماعي.






























