تحتفل البرتغال هذا العام بالذكرى الخمسين لـ«ثورة القرنفل»، الحدث المفصلي الذي أنهى أكثر من أربعة عقود من الحكم الديكتاتوري وأعاد البلاد إلى المسار الديمقراطي. في 25 أبريل 1974، قام انقلاب عسكري سلمي، عُرف بـ«ثورة القرنفل»، بإسقاط نظام «الدولة الجديدة» الذي استمر منذ عام 1926. اكتسب الانقلاب اسمه المميز بسبب قيام الجنود بوضع زهور القرنفل في فوهات بنادقهم، رمزاً للاحتجاج السلمي الذي أطاح بالنظام دون إراقة دماء تُذكر.
قاد هذه الحركة ضباط وجنود محسوبون على «تيار القوات المسلحة»، مدفوعين بالملل من الحروب الاستعمارية التي استنزفت موارد البرتغال وشبابها. انطلقت شرارة الثورة عند منتصف ليل 24 أبريل بأغنية «وبعد الوداع»، لتفتح الباب أمام تحولات جذرية شملت إعادة بناء النظام السياسي، وإجراء أول انتخابات حرة، ومنح الاستقلال للمستعمرات البرتغالية في أفريقيا وآسيا.
أسباب ثورة القرنفل وتداعياتها
نشأت «ثورة القرنفل» كرد فعل على السياسات القمعية للنظام الديكتاتوري، وخاصة استمرار الحروب في المستعمرات البرتغالية مثل أنغولا وغينيا بيساو وموزمبيق. كان الضباط الشباب، الذين تأثروا بالأفكار اليسارية والشيوعية، يسعون إلى إنهاء هذه الصراعات غير الشعبية وتحقيق العدالة الاجتماعية. كما ساهم الاستياء العام من الركود الاقتصادي وشح الحريات في تعزيز قبضة الانقلابيين.
بعد أيام قليلة من نجاح الانقلاب، أطلق سراح جميع المعتقلين السياسيين وعاد المنفيون، مما شكل بداية حقيقية لمرحلة جديدة. برز في هذه الفترة شخصيات سياسية بارزة مثل ماريو سواريش وآلفارو كونيال. بدأت البرتغال في مسار التحول الديمقراطي، حيث شهد العام التالي إجراء أول انتخابات حرة، والتي أسفرت عن فوز الاشتراكيين الديمقراطيين، بدعم من أحزاب يسارية أوروبية.
تأثرت مسيرة التحول بعد محاولة انقلابية فاشلة من قبل ضباط شيوعيين في خريف عام 1975. أدت هذه المحاولة إلى حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة، وإبعاد الشيوعيين عن المناصب القيادية. وعلى الرغم من هذه العقبات، نجحت البرتغال في ترسيخ نظامها الديمقراطي، مع الحفاظ على حيادها في السياسة الدولية.
أثر الثورة على الجوار الإسباني
لم تقتصر تداعيات «ثورة القرنفل» على البرتغال وحدها، بل امتد تأثيرها إلى إسبانيا المجاورة. في الوقت الذي كانت فيه إسبانيا تعيش تحت وطأة نظام الجنرال فرنشيسكو فرaco، شهدت حالة من القلق والترقب خشية تكرار السيناريو البرتغالي. أدت وفاة فرانكو في خريف عام 1975 إلى انتقال سلمي وسلس إلى نظام ملكي دستوري، وهو ما يُعد نموذجاً للانتقال الديمقراطي.
تُعد «ثورة القرنفل» مثالاً تاريخياً على إمكانية تحقيق تغييرات سياسية جذرية وسريعة عبر الوسائل السلمية. وتستمر ذكراها في إلهام الحركات التي تسعى إلى التغيير الاجتماعي والسياسي، وتذكير العالم بأهمية الديمقراطية والحقوق الأساسية.
ماذا بعد؟
في الذكرى الخمسين لـ«ثورة القرنفل»، تتواصل الاحتفالات والفعاليات في البرتغال لتكريم هذه المحطة التاريخية. وبينما يدرس الباحثون الدروس المستفادة من هذه التجربة، تبقى التحديات المستقبلية تتعلق بضمان استدامة الديمقراطية ومواجهة القضايا الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة. يبقى الأمل معقوداً على الحفاظ على روح ثورة القرنفل في خدمة مستقبل برتغالي أكثر ازدهاراً وعدالة.





























