الاتفاقية التجارية الأوروبية-الهندية: تحول في الواقع العالمي
وقع الاتحاد الأوروبي والهند مؤخرًا اتفاقية تجارة حرة، اعتبرها متابعون علامة على تغيرات لافتة في الواقع العالمي. تعكس هذه الاتفاقية، التي أبرمت خلال زيارة وفد أوروبي رفيع المستوى بقيادة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، تحولًا في التحالفات الاقتصادية والاستراتيجية.
تغطي الاتفاقية ما يقرب من 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتربط سوقًا تضم ملياري نسمة، مما يجعلها أكثر من مجرد معاهدة تجارية تقليدية. تأتي هذه الخطوة بعد عقدين من المفاوضات المتعثرة، وتعكس تأثر الاقتصادات الكبرى بإضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المتزايدة بين القوى العظمى، وتصاعد النزعة القومية الاقتصادية.
دور السياسات الأمريكية في تسريع الاتفاقية
يعتقد العديد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، بما فيها الضغوط الدبلوماسية، لعبت دورًا حاسمًا في تسريع التفاهم الأوروبي-الهندي. فقد واجهت الهند رسومًا جمركية مرتفعة وضغوطًا سياسية مستمرة من واشنطن، مما دفع نيودلهي إلى تعزيز شراكات بديلة وتوسيع خياراتها الدبلوماسية.
على مدار العام الماضي، انتقدت إدارة ترمب الهند مرارًا، مستخدمة قيودًا تجارية وخطابًا دبلوماسيًا لاذعًا. ورغم وصف الهند بأنها غير جديرة بالثقة، فضلت نيودلهي سياسة ضبط النفس بدلًا من المواجهة، مما أعاد فتح قنوات الحوار.
ظهر نمط مشابه في علاقة الولايات المتحدة بكندا، حيث حذرت واشنطن أوتاوا من فرض رسوم جمركية مرتفعة على صادراتها إذا استمرت في تعزيز شراكتها الاقتصادية مع الصين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فعاليتها في إجبار كندا على التراجع عن بعض المفاوضات المستقلة.
أوروبا أيضًا شعرت بقلق متزايد إزاء عدم القدرة على التنبؤ بسلوك واشنطن. التلميحات المتكررة للرئيس الأميركي دونالد ترمب بـ”طموحاته” الإقليمية، بالإضافة إلى المواجهات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم الأعباء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والأعباء التجارية، عمقت الشكوك الأوروبية حول موثوقية الولايات المتحدة.
انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالإحباط من العقوبات التي أثرت سلبًا على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي. كما عبرت دول جنوب أوروبا، التي واجهت تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، عن قلقها.
هذه الضغوط مجتمعة أدت إلى إبطاء المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وتآكل الثقة الاستراتيجية. ردت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر إلى الاستقرار.
“قطب ثالث” يواجه “شرعة مونرو”
يشير المحلل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين إلى أن اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند تمثل محورًا جيوسياسيًا حاسمًا. فهي تنشئ “قطبًا ثالثًا” ذا نفوذ عالمي يتحدى بشكل مباشر “شرعة مونرو” الأميركية، التي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأمريكتين.
بعيدًا عن التجارة، تدمج الاتفاقية الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية للاتحاد الأوروبي. وهي تضمن “بيئة مغلقة” للتجارة تعزل كلا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدخلات في نصف الكرة الغربي.
خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكل تحولًا متعمدًا نحو دبلوماسية تجارية استباقية وتجنب الاعتماد المفرط على شريك دولي واحد. من المتوقع أن توقع الهند وكندا في مارس المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.
على صعيد آخر، ورغم المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مفضلة التعاون الإيجابي.
اقتصاديات وفرص الاتفاقية
بالنسبة للاتحاد الأوروبي، توفر الهند، التي يعد اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم، إمكانيات نمو ضخمة. تمنح الاتفاقية حوالي 93% من الصادرات الهندية وصولًا إلى الأسواق الأوروبية معفيًا من الرسوم الجمركية. في المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها.
تفتح الاتفاقية آفاقًا جديدة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومصدري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة. ومع ذلك، يحذر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدرين الهنود بمعايير الاتحاد الأوروبي الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة.
ينبه المحلل السياسي سانجايا بارو إلى ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. ويرى أن الانحياز المفرط إلى أي كتلة معينة ينطوي على مخاطر جمة.
أوروبا: البقاء والسيادة
بالنسبة لأوروبا، ولدت الاتفاقية من رحم الضرورة؛ فقد أدى انهيار ركائزها الثلاث (الطاقة الروسية الرخيصة، ضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية) إلى بحث الاتحاد الأوروبي عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن والاتحاد الأوروبي، وفرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. إنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا مجالًا لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.
ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على الناتو يظهران بوضوح، إلا أن اتفاقية التجارة الحرة تمثل محاولة الاتحاد الأوروبي لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول. يواجه المصدرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وقد ربطت أوروبا التجارة بالاستدامة، وخصصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.
يشير المحلل سوشانت سارين إلى أن “التعجل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية.” وفي مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة.
الحرب الروسية – الأوكرانية
تقع اتفاقية التجارة الحرة الجديدة في قلب جدل حول تمويل الحرب في أوكرانيا. أثارت الاتفاقية غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ”التمويل غير المباشر لحرب بوتين” عبر توقيع الاتفاقية مع الهند. اختار الاتحاد الأوروبي النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته طويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية.
شراكة أمنية
لم تقتصر الاتفاقية على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضًا “بنية أمنية” جديدة. وقع الطرفان الأوروبي والهندي اتفاق “شراكة أمنية ودفاعية”، يشمل تنسيقًا غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. سيعمل الطرفان معًا على حماية الممرات البحرية الأكثر أهمية في العالم.
يعتقد البروفيسور هارش في بانت أن “شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثًا جيوسياسيًا جديدًا”. تضفي الاتفاقية طابعًا واقعيًا على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيرًا دائمًا، مما يخلق نظامًا تجاريًا عالميًا مصممًا للعمل في ظل الصراع.
تحذر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصورات التهديدات، وعقبات التصديق، قد تحد من إمكانيات التحول التي تنطوي عليها الاتفاق، ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي وتبادل التكنولوجيا.
الشرق الأوسط والقرن الأفريقي
قد تسهم الاتفاقية في إعادة تشكيل الديناميكيات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. يعزز هذا التعاون مكانة إسرائيل كـ”حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط”، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لخُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي.
يحول المحلل سانجايا بارو التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين والمحور الباكستاني-التركي. يجري تطوير ميناء بربرة في إقليم “أرض الصومال” ليكون بديلاً على البحر الأحمر.
يضيف المحلل الهندي: “من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعليًا بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري.”
استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر
تمثل الاتفاقية إشارة واضحة على عزم أوروبا على “الحد من المخاطر” المحتملة من الصين. من خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل الاتحاد الأوروبي على وضع الهند كشريك تصنيع مفضل لديه، مما يمثل تحديًا لـ”مبادرة الحزام والطريق” الصينية.
تتيح الاتفاقية لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.
نظام عالمي ناشئ
تعكس اتفاقية التجارة الحرة تحولًا واضحًا في السياسة العالمية. بينما تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها بسياساتها الاقتصادية القسرية. تواجه الصين مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. يتجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزع القوة وتشتتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.































