«القرن الأفريقي»… أرضية خصبة للصراعات

القرن الأفريقي: أرضية خصبة للصراعات المتصاعدة

تشهد منطقة القرن الأفريقي، التي لطالما كانت مسرحاً لتفاعلات استراتيجية، تصاعداً مقلقاً في التوترات والصراعات، مدفوعاً بتطورات جيوسياسية حديثة. الاعتراف الإسرائيلي بإقليم “أرض الصومال” كدولة مستقلة قبل شهرين تقريباً، أطلق شرارة ردود فعل إقليمية ودولية واسعة، وزاد من تعقيد المشهد الأمني الهش بالفعل. هذه التطورات، إلى جانب التوترات المتجددة بين إثيوبيا وإريتريا، والنزاعات الداخلية المستمرة، تجعل من القرن الأفريقي نقطة اشتعال محتملة، تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.

تصاعدت حدة المخاوف بعد أن ربط رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصول بلاده على منفذ بحري. هذا التصريح، الذي جاء خلال قمة الاتحاد الأفريقي، قوبل بتحفظات مصرية شديدة، حيث أكدت القاهرة على موقفها الثابت بأن “حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط”. يرى الخبراء أن هذه المعطيات مجتمعة تخلق أرضية خصبة لصراعات جديدة، سواء داخلية بسبب التعقيدات العرقية والسياسية، أو عابرة للحدود، مع احتمالية اندلاع حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

القرن الأفريقي: الأهمية الاستراتيجية وتعدد الأبعاد

يمتد القرن الأفريقي جغرافياً ليشمل الصومال، جيبوتي، إريتريا، وإثيوبيا، ويتسع سياسياً واقتصادياً ليشمل كينيا، السودان، جنوب السودان، وأوغندا. تكمن أهميته الاستراتيجية في موقعه المطل على خليج عدن والتحكم في مدخل باب المندب، مما يجعله محورياً لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر والتجارة العالمية. بالإضافة إلى ذلك، فإن قربه من موارد الطاقة في شبه الجزيرة العربية ومنطقة البحيرات العظمى الغنية بالموارد، يزيد من أهميته.

إثيوبيا، كدولة حبيسة، تسعى جاهدة لتعزيز نفوذها عبر توسع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري. في المقابل، تتمسك إريتريا بموانيها الاستراتيجية، بينما يظل الصومال الحلقة الأكثر هشاشة بسبب صراعاته الداخلية والتهديدات الإرهابية والتنافس الدولي على موانئه وجزره. هذا التداخل في المصالح والطموحات يجعل المنطقة ساحة تنافس محمومة.

يشكل البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن الأفريقي، ساحة صراع دولي مفتوح. تسعى الولايات المتحدة إلى حماية ممرات تجارتها ومنع نفوذ الصين الذي يتنامى في موانئ جيبوتي والسودان. من جهتها، ترغب الصين في تعزيز مشروع “الحزام والطريق”، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال. تمثل المنطقة أيضاً نقطة ارتكاز لأمن السعودية ومصر.

يرى الخبراء أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين بؤر التوتر في الشرق الأوسط والتصعيد الحالي في القرن الأفريقي. تشير تقارير إلى تحالف تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، مما أوجد تحالفات مضادة تحاول التخفيف من تأثير هذه الخطوات. الدول التي تشعر بتآكل نفوذها، مثل إثيوبيا، تسعى لإيجاد مناطق تموضع جديدة، وهو ما يظهر في تدريب ميليشيات “الدعم السريع” بالقرب من حدود السودان، والرغبة في الحصول على منفذ بحري.

إدارة الصراع ومستقبل الاستقرار

تتجه منطقة القرن الأفريقي نحو ما يمكن وصفه بـ “إدارة الصراع” للحفاظ على توازن القوى، وهو وضع لا يضمن الاستقرار بل يبقي المنطقة عرضة لاندلاع نزاعات جديدة. تبرز أهمية “مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن” كمنصة لتعزيز التعاون والأمن والاستقرار في المنطقة. يضم هذا المجلس ثماني دول، وتسعى مصر إلى تفعيله لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء.

تصف السفيرة منى عمر، مساعدة وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، منطقة القرن الأفريقي بأنها “تسير على ألغام قابلة للانفجار”. تعزو ذلك إلى التفاعلات الداخلية، مثل الخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية، بالإضافة إلى التوتر الدولي القائم في خليج عدن. ترى عمر أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا تجاوز المناوشات الحدودية، مع اتهامات متبادلة باحتلال الأراضي ودعم المعارضة.

في ظل هذا المشهد المعقد، تدعم مصر وتركيا الحكومة الصومالية عسكرياً لمواجهة “حركة الشباب” وتعزيز توازن القوى أمام النفوذ الإسرائيلي في “أرض الصومال”. تزداد حدة التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، مع اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ودعم جماعات مسلحة. يتجدد القلق بشأن تجدد الصراعات الداخلية في إثيوبيا، خاصة بعد اندلاع اشتباكات جديدة بين القوات الفيدرالية وقوات “إقليم التيغراي”، مما ينذر بتداعيات سلبية على المنطقة.

يستبعد المحلل السياسي الإثيوبي، أنور إبراهيم، اندلاع حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا، مرجحاً في المقابل حدوث صراعات بالوكالة. ويرى أن المطلب الإثيوبي للحصول على منفذ بحري هو مطلب اقتصادي تكاملي يمكن تحقيقه بالطرق السلمية، مشيراً إلى أن الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر. من جانبه، يعتبر الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، أن الصراع الداخلي في إثيوبيا هو الأكثر احتمالاً، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة، ويرى أن الدعم الحالي من السعودية ومصر وتركيا للجيش الصومالي يهدف إلى تعزيزه.

يقلل تورشين من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري بالقوة، مؤكداً أن ميثاق الاتحاد الأفريقي يضمن الاعتراف بالحدود القائمة. وبخصوص الدور الإسرائيلي، يرى الكاتب الصومالي حسن محمد حاج أن الاعتراف بـ “أرض الصومال” ليس مجرد خطوة رمزية، بل هو إشارة سياسية وأمنية “ثقيلة الوزن” في منطقة حساسة. ويعتقد أن الخطر الحقيقي يكمن في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، مما قد يؤدي إلى توتر طويل الأمد، محذراً من أن “شرارة الصراع موجودة… لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد”.

ماذا بعد؟

في ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل الاستقرار في القرن الأفريقي غير مؤكد. تترقب المنطقة استجابة الدول الفاعلة لتصاعد التوترات، والجهود المبذولة لتفادي اندلاع صراعات واسعة، مع بقاء التحديات الداخلية والإقليمية والدولية قائمة.