اليابان أمام تحولين سياسي واقتصادي بعد الانتخابات المبكرة
لم تكن الانتخابات العامة المبكرة الأخيرة في اليابان مجرد تصويت على برنامج، بل كانت لحظة حسم للسياسة اليابانية، حيث يواجه البلد تحولاً نحو دولة أكثر صلابة أمنياً وأكثر حزماً اقتصادياً. أفرزت صناديق الاقتراع فوزاً ساحقاً للتيار اليميني بقيادة رئيسة الوزراء سانايي تاكاييتشي، مما يمنحها تفويضاً سياسياً نادراً لإعادة ترتيب أولويات الدولة ومواجهة تحديات اقتصادية وأمنية واستراتيجية متزايدة.
تفويض مزدوج يتجاوز الأغلبية البرلمانية
تكمن أهمية هذا الفوز الساحق، الذي منح الحزب الديمقراطي الحر المحافظ الحاكم غالبية مريحة في مجلس النواب، في كونه تفويضاً مزدوجاً. فهو لا يعني فقط “راحة تشريعية” تسهل تمرير القوانين، بل يضع الحكومة تحت اختبار مزدوج: اختبار في الأسواق المالية واختبار في الإقليم. تفتح هذه الغالبية الباب أمام قرارات كبيرة، لكنها تزيد من حداثة الحكومة أمام ردود الأفعال الإقليمية والدولية، خاصة من الصين وروسيا.
ملفات متقاطعة: الاقتصاد، الأمن، والسياسة الخارجية
يتداخل في هذا التحول ثلاثة ملفات رئيسية: أولاً، معالجة اقتصاد مثقل بالديون لكنه يعاني من ضغوط تضخمية ويسعى لتحقيق النمو واستقرار الأسعار. ثانيًا، تتخلى اليابان تدريجياً عن قيود ما بعد الحرب العالمية الثانية لتعريف جديد للأمن القومي. ثالثًا، تتخذ السياسة الخارجية مساراً أكثر حزماً، مع احتمالية زيادة الاحتكاك مع الصين وروسيا، وتعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة ودول المحيطين الهندي والهادئ.
برغم حجم الانتصار، فإن الكلفة المتوقعة تكمن في إدارة المخاطر، لا سيما فيما يتعلق بأسواق السندات والين الياباني، بالإضافة إلى ردود الفعل المتوقعة من دول الجوار كالصين وكوريا وروسيا.
ضغوط اقتصادية وتحديات مالية
لم يأتِ التفويض الانتخابي من فراغ، بل استجاب الناخب الياباني لشعور واسع بتضخم كلفة المعيشة، خصوصاً في أسعار الغذاء والطاقة، وعدم مواكبة الأجور الحقيقية لهذه الزيادات. ورغم أن وعود تخفيف العبء الضريبي على الغذاء بدت أكثر جاذبية، فإن الاستجابة لهذه الضغوط عبر حزم إنفاق إضافية أو تخفيض ضرائب قد تضع اليابان مباشرة في مواجهة مع أهم حساسياتها: سوق السندات العامة وثقة المستثمرين في قدرة الدولة على الموازنة بين التحفيز المالي والانضباط.
موازنة بين الإنفاق والانضباط المالي
لا تقتصر أهمية حجم الانتصار على إضعاف قدرة الحلفاء والخصوم داخل الائتلاف الحاكم على “ابتزاز” الحكومة، بل يمتد تأثيره إلى الداخل الحزبي نفسه. إذ يُرجح أن يتم استخدامه لترسيخ التيار اليميني في الحزب، وإعادة ترتيب الأولويات بين النمو المالي والانضباط، وبين استراتيجيات الردع والتهدئة.
تعديل الدستور: طريق طويل ومعقد
بالرغم من القوة البرلمانية التي حققتها رئيسة الوزراء، فإن أي تعديل جذري في الدستور الياباني، وتحديداً المادة التاسعة المتعلقة بالجيش، يتطلب غالبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ، فضلاً عن استفتاء شعبي. هذا يعني أن “القوة البرلمانية” ليست كافية وحدها، وقد تدفع رئيسة الوزراء إلى تبني استراتيجية “التدرج”، مع التركيز أولاً على إجراءات أقل إثارة للانقسام.
وعود التحفيز وتهديد الأسواق
تجد رئيسة الوزراء نفسها أمام معضلة ما بعد الفوز: فمن جهة، تجديد التعهدات بتخفيف الضغط الضريبي على الغذاء، ومن جهة أخرى، طمأنة المستثمرين بعدم التوسع في الديون. يشير هذا إلى أن معركة التمويل، بآثارها المحتملة على العجز العام، ستتحول إلى ساحة سياسية واقتصادية يومية. وفي ظل تضاؤل قوة المعارضة البرلمانية، قد يأتي “الفيتو” الحقيقي من الأسواق المالية، حيث يمكن لارتفاع عوائد السندات وتقلبات الين أن يكونا بمثابة كابح لأي اندفاعة مالية غير مدروسة.
بالنظر إلى الطبيعة المترابطة للاقتصاد العالمي، فإن التوقعات بزيادة التحفيز في اليابان انعكست فوراً على تحركات أسواق العملة، حيث شهد الين تقلبات ملحوظة، مما يفتح ملفاً حساساً في العلاقة مع واشنطن. أي ضعف مستدام في سعر الين قد يُفسر أميركياً، في ظل مزاج حمائي متصاعد، كمصدر تفضيل تنافسي للصادرات اليابانية، حتى لو كان ناتجاً عن عوامل داخلية.
اليابان تنتقل من “دولة اقتصادية” إلى “دولة ردع”
يأتي هذا التحول السياسي والاقتصادي في سياق بيئة استراتيجية متدهورة في محيط اليابان، بما في ذلك الضغط الصيني حول تايوان، والتعاون المتزايد بين روسيا والصين، وسباق التسلح الإقليمي، إضافة إلى دعوات أميركية لـ”تقاسم الأعباء”. هذا يدفع اليابان للانتقال من نموذج “الدولة الاقتصادية الحذرة” إلى نموذج “الدولة الاقتصادية – الأمنية”، حيث يصبح الأمن القومي عنصراً أساسياً في السياسات الصناعية والمالية.
الكلام لم يعد يقتصر على تعزيز الدفاعات، بل يتجه نحو بناء قدرة ردع أوسع، وتوسيع أدوات “الأمن الاقتصادي” في سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والطاقة. هذا التحول، الذي يتسارع مع التفويض الانتخابي الجديد، يُقرأ إقليمياً على أنه “تكيّف دفاعي” من منظور الحلفاء، بينما يراه الخصوم كـ”عودة إلى العسكرة”.
الاحتياطيات مع الصين والتقييم الروسي
تتسع المسافة السياسية بين طوكيو وبكين بسبب الاحتكاكات البحرية وملف تايوان، ومع قيادة يابانية أكثر حزماً، يُتوقع مزيد من الاحتكاك، مع ضغط أكبر على الصين في ملف الأمن الإقليمي، وسعي ياباني لتقليل قابلية الاقتصاد للابتزاز في المواد الاستراتيجية. ومع ذلك، فالتصعيد غير المُدار قد يهدد الشركات اليابانية المعتمدة على السوق الصينية.
أما روسيا، فتقع ضمن سياق التقارب مع بكين، مما يجعل طوكيو ترى جبهتها الشمالية الشرقية كجزء من صورة ردع أوسع. أي تحرك ياباني نحو تعديل دستوري قد يوفر لموسكو وبكين مادة سياسية للحديث عن “عودة الميول العسكرية”، وربط ذلك بسردية “مراجعة التاريخ”.
شمال شرق آسيا والنظام الدولي
بالنسبة لدول جنوب شرق آسيا وكوريا الجنوبية، فإن “اليابان الأقوى دفاعياً” قد تُرى كشريك يوازن الصين ويعزز أمن البحار وسلاسل الإمداد. لكن في المقابل، هناك مخاوف من انزلاق المنطقة إلى سباق تسلح، واستخدام “الذاكرة التاريخية” كسلاح سياسي. نجاح طوكيو في توسيع دورها الأمني يعتمد على خطابها وقدرتها على إدارة ملفات التاريخ، وتقديم نفسها كمدافعة عن الوضع القائم.
على المستوى العالمي، يتقاطع هذا الفوز مع تساؤل أكبر حول ما إذا كانت الاقتصادات الكبرى ستعيد ترتيب أولوياتها لتصبح السياسة الصناعية جزءاً من استراتيجيات الردع. وبفضل ثقلها التكنولوجي والمالي، قد تصبح اليابان نموذجاً لهذا الاتجاه، عبر دعم الصناعات الاستراتيجية وربط الاستثمار العام باعتبارات الأمن الاقتصادي.
ما هي الخطوات التالية؟
الانتصار الكبير لا يعني حسم اتجاه اليابان بشكل نهائي، ولكنه يوفر فرصة فريدة لتغيير قواعد اللعبة. سيُقاس نجاح هذا التغيير بمدى قدرة طوكيو على إدارة التوازن بين مخاوف الناخبين من الغلاء، ومخاوف الأسواق من الانفلات المالي، ومخاوف الإقليم من تحول الردع إلى استفزاز.































