جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه أوروبا، وفي مقدمتها فرنسا، اختباراً استراتيجياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة، التي تثير تساؤلات حول مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتعزز الدعوات نحو استقلالية دفاعية أوروبية. أدت التدخلات الأمريكية في فنزويلا وإيران، إلى جانب محاولات الاستحواذ المزعومة على غرينلاند، إلى تصدعات في التحالف الأطلسي، مما يدفع القارة الأوروبية نحو إعادة تقييم دورها وعلاقاتها الاستراتيجية.

يشير محللون إلى تحوّل ملحوظ في الموقف الفرنسي، حيث انتقلت باريس من “الحذر” إلى “الحزم المدروس” في التعامل مع سياسات البيت الأبيض. ويعكس هذا التحول نضجاً استراتيجياً فرضته تجارب سابقة، خاصة حرب أوكرانيا، مما يدفع فرنسا نحو قيادة حركة أوروبية تهدف إلى تحقيق الحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي.

التحديات الجديدة التي تواجه الناتو

في الآونة الأخيرة، برزت قضية غرينلاند كمختبر خطير لمخاوف واشنطن الجديدة. حيث استغل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إقليم غرينلاند (التابع للدنمارك وعضو الناتو) لاختبار حدود التحالف. والتصريحات حول “الاستحواذ” على الجزيرة، مع الإشارة إلى الخيار العسكري، اعتبرت من قبل مسؤولين فرنسيين عدوانًا بين أعضاء الحلف، مما يهدد بتفكك الناتو من الداخل.

يرى الخبير العسكري الفرنسي، العقيد ميشال غويا، أن هذه التحركات الأمريكية تمثل “حرباً نفسية” أو “تضليلاً”، لكن الخطر الحقيقي يكمن في “العجز الأوروبي” وانقسام القارة أمام حليف أصبح مصدر خطر. ووفقًا لتحليلات، فإن أوروبا تملك القليل من أوراق الضغط، وستظل منقسمة بسبب ولاء بعض الدول للولايات المتحدة.

انهيار عقيدة “الدفاع الجماعي”

محاولات الولايات المتحدة لفرض سياساتها أحادية الجانب، سواء في فنزويلا أو عبر تهديدات محتملة لإيران، تثير قلقًا فرنسيًا عميقًا. يعتبر الخبراء الفرنسيون أن هذه التحركات تمثل “تحولاً استراتيجياً جوهرياً” في السياسة الأمريكية، مع التركيز على تأمين النصف الغربي للكرة الأرضية على حساب الالتزامات عبر الأطلسي. هذا التوجه يقلص بشكل حاد القدرات المتاحة لحلف “الناتو”، خاصة في شرق أوروبا.

تحذر التحليلات من تأثير “تأثير الدومينو”، حيث تفرض هذه التركيز الأمريكي أجندات إقليمية أحادية الجانب دون تشاور مع الحلفاء. وتخشى باريس من استنزاف استراتيجي للحلف، حيث تضحي واشنطن بالتماسك الجماعي مقابل مكاسب فورية، مثل السيطرة على النفط الفنزويلي. وتؤدي هذه السياسات إلى “تعدد الجبهات واستنزاف القدرات” للحلف.

تصدع التماسك المعياري

تُدين العديد من المقالات ما يُعرف بـ “شرعية معيارية منهارة”، حيث أن كل عملية أحادية الجانب تقوم بها الولايات المتحدة تمنح خصومها حجة دامغة ضد “المعايير المزدوجة” الغربية. عندما يتسامح الناتو مع انتهاكات واشنطن لكنه يدين الانتهاكات الروسية، يصبح خطابه غير مسموع لدى دول الجنوب العالمي، وحتى في أوروبا الشرقية.

وفي ظل هذه التطورات، تتزايد الدعوات لـ “ركيزة أوروبية” مستقلة. فعندما تنتهك واشنطن سيادة دولة أو تفكر في استخدام القوة ضد إقليم حليف، يجد الأوروبيون أنفسهم في استحالة أخلاقية للدفاع عن “القواعد” التي يعارضون بها روسيا. هذا التناقض يجعل من الصعب تعبئة الرأي العام الأوروبي لالتزامات الناتو.

الخصوصية الفرنسية ومستقبل الناتو

تستمد فرنسا خصوصيتها من إرثها التاريخي الديغولي ومصالحها القومية. في أفريقيا والمشرق العربي، لا يمكن لباريس القبول بسابقة أمريكية تُشرعِن التدخلات العابرة للحدود. فرنسا، بفضل قوتها النووية المستقلة ونفوذها، هي أقل ارتهانًا للمظلة الأمريكية مقارنة بألمانيا، مما يمنحها هامشًا للمناورة والانتقاد.

ومع ذلك، فإن أي مواجهة مع إيران ستؤثر مباشرة على مصالح الشركات الفرنسية وطرق إمدادات النفط. كما أن الهيمنة الأمريكية على النفط الفنزويلي، واحتمال السيطرة على الحقول الإيرانية، يثير مخاوف من قفزة في أسعار الطاقة، مما قد يفاقم فاتورة الطاقة الفرنسية. هذا يفرض على باريس تسريع تنويع مصادر طاقتها.

تشير التحليلات الفرنسية إلى أن نموذج “القوة كمنظم” يقوض حلف الناتو من الداخل. الاحتمال الأكبر هو “تفتت التحالف” إلى ائتلافات إقليمية متباينة، مما يترك القارة عرضة لروسيا. مقابل ذلك، يبرز سيناريو “اتحاد دفاعي أوروبي” بقيادة فرنسية، مستندة إلى قوتها الردع المستقلة وخبرتها الميدانية. يعتقد الخبراء أن “الاستقلال الاستراتيجي الذي لا رجعة فيه” الذي دعا إليه الرئيس ماكرون هو المسار الأرجح.