مشهد سياسي جديد في تونس… وهوّة آخذة في الاتّساع
بعد 15 عاماً من الثورة التونسية، تعيش تونس مرحلة سياسية معقدة تتسم بتعمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتصاعد الاستقطاب السياسي. بالتزامن مع الذكرى الخامسة عشرة لانتفاضة 2011، تتسع الانقسامات بين مؤيدي السلطة الحالية ومعارضيها، الذين يتهمون الحكومة بإجهاض المسار الديمقراطي.
يشهد المشهد السياسي التونسي اختلالاً كبيراً بين سلطة مركزية يقودها رئيس الدولة وفريقه، ومعارضة ضعيفة ونخب منقسمة. هذا ما كشفته التظاهرات الثقافية والسياسية بمناسبة الذكرى الـ15 لاندلاع الثورة.
بحسب الأكاديمي الحقوقي الحبيب بوعجيلة، فإن قرارات يوليو 2021، التي أدت إلى حل البرلمان والحكومة المنتخبين، أدت إلى تهميش الأحزاب والنقابات وقوى المجتمع المدني، مما تسبب في انهيار المشهد السياسي الحزبي وإضعاف تأثير قوى “الإسلام السياسي” وحلفائها.
من جانبها، أشارت الإعلامية والأكاديمية منية العرفاوي إلى “تغييب” فاعلين سياسيين كبار لعبوا دوراً في العقد الماضي، بما في ذلك قيادات رئيسية من أحزاب النهضة، المؤتمر، التكتل، نداء تونس، تحيا تونس، قلب تونس، ومشروع تونس.
ويرى عالم الاجتماع والأمين العام للحزب الجمهوري المعارض، عبد اللطيف الهرماسي، أن “أخطاء قيادات المعارضة السابقة بعد ثورة 2011 ساهمت في إجهاض مسار الانتقال الديمقراطي”. وأضاف أن “مظاهر الخلل” في المشهد الحالي تعود إلى “المضايقات والمحاكمات السياسية، وانسحاب قطاع كبير من المثقفين والسياسيين والحقوقيين من العمل السياسي”.
ملفات التآمر على أمن الدولة
تسببت فتح الملفات القضائية والأمنية ضد سياسيين ورجال أعمال وأصحاب مؤسسات إعلامية في “إبعاد فاعلين من المشهد السياسي والإعلامي”، وفق الإعلامي والناشط النقابي خليل الحناشي. وأشار إلى إحالة برلمانيين ونشطاء حقوقيين ومحامين وزعماء سياسيين إلى القضاء بتهم “التآمر على أمن الدولة” و”قضايا إرهابية ومالية”، مما أدى إلى صدور أحكام بالسجن وغرامات مالية حرمتهم من حقوقهم المدنية والسياسية.
بدوره، حمّل رئيس نقابة الصحافيين التونسيين، زياد دبار، الحكومة مسؤولية “إضعاف أدوار المجتمع المدني والنقابات والأحزاب”. واعتبر أن “تراجع هامش الحريات الإعلامية ساهم في تعقيد المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية”.
“التعثر الاقتصادي الاجتماعي يربك «الاستثناء الديمقراطي»”
«إصلاحات»… رغم الأخطاء الفادحة
يرى أكاديميون وحقوقيون، مثل محمد ضيف الله، أن “المشهد السياسي المتعثر حالياً لا ينبغي أن يقلل من دور النخب التونسية”. وأشار إلى أن تونس كانت تحظى بالتقدير الدولي منذ 2011 كـ”قائدة للاستثناء الديمقراطي الإيجابي في مسار الثورات العربية”.
وذكر ضيف الله أن التوافقات السياسية السابقة ساهمت في “إنجاز إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة” خلال العقد الأول بعد الثورة، بما في ذلك “نجاح تونس، نسبياً، في تنظيم انتخابات تعدّدية لم يطعن أحد في نزاهتها”.
من جانبه، نوّه القيادي النقابي رشيد النجار بإقرار البرلمان المؤقت عام 2014 “دستوراً توافقياً تقدّمياً” كرّس الحقوق والحريات والفصل بين السلطات، وأرسى “مشهد حزبي متنوع”.
في المقابل، سجلت الخبيرة الاقتصادية والإعلامية جنات بن عبد الله أن التجربة الديمقراطية الأولى (2011–2021) “لم تُفضِ إلى الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المنشود”، مما أدى إلى “بطالة مستفحلة وتفاوت جهوي صارخ وغلاء معيشة وتراجع القدرة الشرائية”.
وأضافت بن عبد الله أن هذا خلق “تناقضاً عميقاً بين اتساع هامش الحرية السياسية وتدهور الأوضاع المعيشية”، مما “مهّد لتراجع الثقة الشعبية في الأحزاب والنقابات والنخب الحاكمة وفي الديمقراطية التمثيلية ذاتها”، بحسب الخبير الاقتصادي والسياسي الدولي ماهر قلال.
منعرج 25 يوليو
شكلت أحداث 25 يوليو 2021 “نقطة تحول حاسمة” مع إعلان الرئيس قيس سعيّد سلسلة “إجراءات استثنائية” شملت تجميد البرلمان، والحكم بالمراسيم، واعتماد دستور جديد عام 2022 أعاد تركيز السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية.
يرى أنصار هذا المسار ما حدث “تصحيحاً لمسار الثورة” وقطيعة مع منظومة حزبية فاشلة، بينما اعتبرت المعارضة أن ما حدث يمثل “انقلاباً على الدستور وعلى مكتسبات الانتقال الديمقراطي”، على حد تعبير الحقوقي أحمد الغيلوفي.
ويرى الإعلامي والحقوقي زياد الهاني أن الواقع السياسي الجديد أفرز “تهميشاً واسعاً للأحزاب وبرلماناً ضعيف الصلاحيات وانكماشاً متزايداً على الإعلام والمعارضة، وتراجعاً ملحوظاً في استقلالية القضاء”. وهذا ما يراه الخبير الجامعي شاكر الحوكي انتقالاً تونسياً نحو “نظام رئاسي شديد المركزية”.
مشهد سياسي جديد
نظم أنصار الرئيس قيس سعيّد في الذكرى الـ15 للثورة تجمعات ومظاهرات مساندة لسياساته، وصفها سعيّد بأنها “تفويض شعبي”.
في المقابل، نظمت المعارضة ومنظمات حقوقية مسيرات للمطالبة بـ”التغيير” و”الحوار الوطني والإفراج عن المساجين السياسيين”.
كما نظمت النقابات والمنظمات المهنية تظاهرات رفعت مطالب مهنية وحقوقية وسياسية، منها “تنظيم حوارات بين السلطات والمجتمع المدني وتحرير الإعلام وتوسيع هامش الحريات العامة”.
المناخ الإقليمي
تضافرت العوامل الدولية والإقليمية وانقسامات النخب لتكرس واقعاً جديداً، حيث “السلطة التنفيذية باتت اللاعب شبه الوحيد في الساحة السياسية”، وفق بيانات رسمية صادرة عن رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للقضاة وعمادة المحامين.
يستبعد الأكاديمي والحقوقي الحبيب بوعجيلة حدوث تغيير قريب في المشهد السياسي، نظراً لـ”عمق أزمة الشرعية والتمثيل” التي كشفتها نسب المشاركة الضعيفة في الانتخابات.
ويقول العميد السابق لكلية الحقوق بتونس، الصادق بلعيد، إن “العزوف الانتخابي يعكس فقدان الثقة في السياسة، وشعوراً واسعاً بأن الانتخابات لا تغير الواقع المعيش… وهذا في مرحلة تبدو فيها قوى المجتمع المدني والمعارضة ضعيفة ومفككة”.
الاقتصاد… والتغيير السياسي
يتزايد تأثير الأزمة الاقتصادية “بوصفها العامل الحاسم” في المشهد الحالي. ويعد “التضخم المالي وتراجع القدرة الشرائية والبطالة وأزمة المالية العمومية” أسباباً جعلت “المطلب الاجتماعي يتقدم على المطالب الحقوقية والسياسية”، حسب الخبير الاقتصادي والمالي جمال الدين عويدي.
حذرت ندوات اقتصادية وسياسية من “استفحال الاختلال” بين الطبقات والفئات والجهات. كما أطلق نواب في البرلمان “صيحات فزع” بشأن ملفات الأمن الاجتماعي وارتفاع الأسعار.
على الرغم من اتهامات المعارضة للبرلمان، فوجئ المراقبون بالانتقادات الكبيرة التي وجهها نواب محسوبون على السلطة للحكومة والمسؤولين، مما دفع البعض للتحدث عن “تأسيس حزب سياسي رئاسي”، رغم نفي الرئيس المستمر.
وفي ظل الفيضانات الأخيرة، انتقد الرئيس سعيّد مجدداً “التقصير والفساد”، مؤكداً تمسكه بمنهجه السياسي والإعلامي والاجتماعي “بالانحياز للفقراء والمهمشين وضحايا الفساد دون الانتماء إلى أي حزب”.
































