منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال “هل حان وقت المغادرة؟” من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة. لم يعد هذا السؤال مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى، بل أصبح جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة، تعكس قلقاً متزايداً حول مستقبل العيش في الولايات المتحدة.
في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت “الهجرة المعاكسة” إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالمفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو “نزوحاً أميركياً جماعياً” بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.
مزاج الرحيل: دوافع تتجاوز السياسة
اللافت في موجة الحديث الأخيرة حول الهجرة المعاكسة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: “إذا انتصر خصمي فسأغادر”. أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع “الحد الأدنى من الاتفاق” داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة “مفاوضة يومية” على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار “الرمز السياسي” إلى إطار “الخيار الحياتي”.
أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة “فوربس” عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يُقدَّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟
وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام “غالوب” لتكسر حاجز “الانطباع”. الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً. وتنبّه “غالوب” إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس “الرغبة” لا “الخطة” ولا “التنفيذ”، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.
هنا يظهر جانب من “الهجرة المعاكسة” لا يحتاج إلى “طائرة”: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى.
الأرقام الصلبة عن أميركا: تراجع الهجرة إلى الداخل
حين تُذكر “الهجرة المعاكسة” في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.
في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً “هروب مواطنين” بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.
وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد “بروكينغز” (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في “رحيل الأميركيين” وحده.
أهمية هذا التفصيل أن “الهجرة المعاكسة” تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في “الناس تغادر”، بل في “أميركا تقلل الداخلين”، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.
الجامعات العريقة في خطر: تحديات التمويل والحوكمة
إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب “هجرة العقول” وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول “معاداة السامية” وحدود الاحتجاج.
في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة. وفي يوليو (تموز) 2025، توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما رأى البيت الأبيض في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره.
أهمية هذه المعركة في سياق “الهجرة المعاكسة” أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي – سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة “هجرة فورية”، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.
في هذا الشهر، رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة “هارفارد” تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن “المعركة” لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها “نخبوية”. وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في “تدويل” المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين.
أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين: جذب العقول والمواهب
الخط الأكثر حساسية في قصة “الهجرة المعاكسة” لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من “حرب مواهب” عالمية.
على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في “النبض المستقبلي”: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب.
في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على “إلغاء التأشيرات بشكل هجومي” لفئات من الطلاب الصينيين. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من “استغلال” الجامعات وسرقة أبحاث.
هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل “أهدأ” أو “أوضح قواعد”. وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي.
في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل. وفي المملكة المتحدة، ارتفعت الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع بنسبة 19 في المائة عن العام السابق. أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج “جودة حياة” وتكاليف أدنى نسبياً، لكن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس. هذه الوجهات الأوروبية تقدم نفسها كبدائل، لكنها تتطلب أيضاً التأقلم مع قواعد قد تتغير.
ما الواقعي وما المبالغ؟
بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة “الهجرة المعاكسة” لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي.
في النهاية، تبدو “الهجرة المعاكسة” أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى وإن بقي، في معظم الأحيان، “خطة ب” أكثر منه قراراً نهائياً.
يبقى أن نراقب كيف ستتطور الاتجاهات الاقتصادية والديمغرافية في ظل هذه التغيرات، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمكن من معالجة المخاوف الداخلية لتعزيز جاذبيتها على المدى الطويل.






























