الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن… في لحظة الانفجار الإقليمي

تجد الصين نفسها في موقف دبلوماسي معقد في ظل الحرب الدائرة على إيران، مما يضع دبلوماسيتها المتوازنة في الشرق الأوسط تحت اختبار حقيقي. فبكين، التي أصبحت لاعباً اقتصادياً رئيسياً في المنطقة، تسعى للحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، وفي الوقت نفسه، صون علاقاتها العميقة مع دول الخليج وتجنب الإضرار بعلاقاتها التكنولوجية والاقتصادية مع إسرائيل.

تتجاوز أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للصين مجرد المسافة الجغرافية، حيث تتقاطع فيه ثلاثة عناصر حيوية لاستراتيجيتها: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسيع مبادرة الحزام والطريق. لذا، فإن أي حرب واسعة النطاق تهدد ليس فقط مصالحها السياسية بل أيضاً الاقتصادية والاستراتيجية بشكل مباشر.

دبلوماسية التوازن الصينية في الشرق الأوسط

يمثل الموقف الصيني من الحرب على إيران محاولة واعية للحفاظ على توازن دقيق بين أطراف متعارضة، ما يمكن وصفه بـدبلوماسية التوازن. تهدف الصين إلى تجنب الانخراط المباشر في الصراع أو التحول إلى طرف فيه، مدفوعة بمصالح اقتصادية واستراتيجية معقدة.

إيران كشريك استراتيجي في مبادرة الحزام والطريق

تحتل إيران موقعاً مهماً في رؤية الصين الجيوسياسية، لا سيما بفضل مواردها الطاقوية وموقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزز هذا الدور بتوقيع “اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل” لمدة 25 عاماً في 2021، ما فتح آفاقاً للتعاون في الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

تمثل إيران عقدة حيوية في مشروع “مبادرة الحزام والطريق”، حيث تشكل ممراً جغرافياً أساسياً يربط الصين بالأسواق الغربية. كما أن استقلالية قرارها السياسي عن الغرب يجعلها شريكاً يمكن للصين التعامل معه بعيداً عن ضغوط وعقوبات الغرب، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بينهما.

ومع ذلك، لا تنظر الصين لعلاقتها مع إيران كتحالف عسكري أو سياسي موجه ضد طرف آخر. فبكين تدرك أن أي تحيز كامل لطهران سيعرض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر، ومن هنا حرصها على إبقاء العلاقات في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية دون التحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

دول الخليج: ركيزة أمن الطاقة الصيني

على الجانب الآخر، تُمثل دول مجلس التعاون الخليجي ركيزة أساسية لأمن الطاقة الصيني. فالصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم، وتعتمد بشكل كبير على وارداتها النفطية من دول الخليج مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت.

هذا الاعتماد دفع بكين لتطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق، فشهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

يتجاوز التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي قطاع النفط ليشمل مشاريع ضخمة في الموانئ واللوجستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مما يعكس تحول العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

تدرك القيادة الصينية أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز، مما سينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. لهذا، تعتبر بكين الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية، وهو ما تجلى في دورها برعاية الاتفاق السعودي الإيراني عام 2023.

العلاقات المعقدة مع إسرائيل

طورت الصين أيضاً علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. أصبحت إسرائيل شريكاً بارزاً لبكين في الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة، كما شاركت الشركات الصينية في مشاريع بنية تحتية مهمة في إسرائيل.

تعكس هذه العلاقة اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، لا سيما في مجالات التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. غير أن هذه العلاقة واجهت تعقيدات بسبب الضغوط الأمريكية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين.

في ظل التصعيد العسكري، شددت بكين على أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً، وأجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات ركزت على ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك التواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة.

الموقف الصيني من الحرب وتداعياتها

جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران متوافقاً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، ولكنه أصبح أكثر حذراً وواقعية في ضوء التطورات الأخيرة. التصعيد الأخير من ضربات متبادلة وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية، مما يعني أن الحرب لم تعد مجرد احتمال بل مسار يتسع تدريجياً.

كثفت بكين تحركاتها الدبلوماسية، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط والتقى مسؤولين، منهم وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مما يعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحورية. كما أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شدد خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار ورفض توسيع دائرة الحرب.

شددت القيادة الصينية على أهمية احترام سيادة الدول ورفض أي سياسات تغيير الأنظمة بالقوة. وتدرك الصين أن هذه الحرب، إذا استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستؤدي إلى إعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط.

هذا الفهم يفسر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني، الذي يتجنب الانحياز العلني ويرفض منطق الحسم العسكري في آن واحد. بينما يراقب المحللون ما إذا كانت الصين ستكون المستفيد من تعثر الولايات المتحدة، تدرك بكين أن الفوضى والاضطرابات في المنطقة لا تخدم مصالحها، بل تهدد أمن الطاقة وطرق التجارة.

ما بعد الحرب: رؤية الصين للشرق الأوسط

تنظر الصين إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البعد الاقتصادي، حيث تعتبره ساحة تنافس دولي وفرصة لتعزيز دورها كقوة تسعى لدعم الاستقرار والتنمية. طرحت الصين مبادرات دولية مثل مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي، التي تهدف إلى صياغة آليات تعاون دولي جديدة.

في الختام، تعتمد السياسة الصينية في الشرق الأوسط على “دبلوماسية التوازن” للحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف، وتتطلب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضر بمصالحها. اختبار بكين الحقيقي لن يكون فقط بالحفاظ على هذا التوازن، بل في قدرتها على تحويله إلى دور فاعل يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر في منطقة تشتعل على أكثر من جبهة.