في خطوة جريئة وضعت إسبانيا في مواجهة دبلوماسية مباشرة مع واشنطن، أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز رفض بلاده القاطع لـ”الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران”، مؤكداً موقف “لا للحرب” الذي يتبناه غالبية الإسبان والأوروبيين. هذا الموقف المتقدم، الذي قوبل بتهديدات أميركية، يعكس تحولاً لافتاً في المشهد السياسي الأوروبي، ويثير تساؤلات حول مستقبل التحالفات الدولية ودور أوروبا في الأزمات العالمية.
جاء إعلان سانشيز في الرابع من الشهر الجاري، مع اندلاع شرارة ما وصفها بـ”الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران”، ليضع مدريد في طليعة الرافضين الأوروبيين للتدخل العسكري. كان سانشيز يدرك أن قراره يشكل مغامرة سياسية كبيرة، لكنه لم يتوقع أن شركاءه الأوروبيين سيبنون مواقفهم المشتركة على هذه الخطوة، خصوصاً مع بدء تداعيات الحرب الاقتصادية تلوح في الأفق الأوروبي.
موقف سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن
يُعتبر بيدرو سانشيز، الذي شكل ثلاث حكومات متتالية، الرئيس الأكثر خبرة في الشؤون الخارجية بإسبانيا منذ عودة الديمقراطية. وصل سانشيز إلى قيادة الحزب الاشتراكي من الصفوف الخلفية، واستطاع تجاوز التوقعات الساعية لإسقاطه في مناسبات عديدة. اليوم، يقود سانشيز الحكومة اليسارية الوحيدة المتبقية في الاتحاد الأوروبي، ويُعد الصوت الأعلى داخل التكتل الذي ينتقد الحرب على إيران والسياسات الإسرائيلية في غزة.
قبل مرور أسبوعين على اندلاع الحرب على إيران، التي يصفها سانشيز بأنها “غير شرعية”، بدأت العواصم الأوروبية، بما فيها روما بشكل مفاجئ، في الاقتراب من الموقف الإسباني. هذه التطورات تشير إلى أن سانشيز قد يكون بنى موقفه على دراسة متأنية للمشهدين الإقليمي والدولي، مستفيداً من خبرته السياسية وحسه المتوقد.
عقب إعلان سانشيز، صدرت مواقف قوية ومختلفة عن نظرائه الأوروبيين الذين التزموا الصمت أو أصدروا تصريحات دبلوماسية خشبية. أعلنت إسبانيا رفضها “العملية العسكرية الأحادية” التي تقوم بها الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكدة أنها لا يمكنها أن تسمح بـ”حرب أخرى مدمرة في الشرق الأوسط”، بينما كانت فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا تتريث في اتخاذ مواقف واضحة.
لم يأتِ رفض إسبانيا للحرب من فراغ، فقد سبق لها أن سحبت سفيرتها من تل أبيب احتجاجاً على “حرب غزة”. ورغم تعرضها لضغوط وتهديدات من واشنطن بقطع العلاقات التجارية جراء منعها استخدام القواعد الأميركية على أراضيها في العمليات العسكرية ضد إيران، فإن مدريد لم تتراجع عن موقفها.
في الداخل الإسباني، تعرض سانشيز لانتقادات حادة من المعارضة اليمينية التي اعتبرت موقفه “تغريداً خارج السرب”. غير أن هذا الانتقاد تراجع تدريجياً مع تحوّل الرأي العام الأوروبي وتزايد رفض الحرب. وقد سعى الحزب الشعبي، أكبر أحزاب المعارضة، إلى النأي بنفسه عن أي اتهامات بدعم الحرب، محاولاً تجنب مصير رئيس الوزراء الأسبق خوسيه ماريا أزنار الذي أيد حرب العراق عام 2003.
تستند حملة سانشيز الداخلية حالياً على موقفه الرافض للحرب، محذراً من تداعياتها الاقتصادية المحتملة على إسبانيا وأوروبا. وقد بدأت حكومته الاستعداد لتقديم الدعم للمتضررين، مستفيدة من معدلات النمو المرتفعة للاقتصاد الإسباني. هذا الموقف الداخلي، يرى البعض أنه قد يعزز موقع سانشيز ويقوي اليسار الإسباني ويدعم حظوظه في الانتخابات القادمة، على غرار ما حدث عام 2003.
تداعيات الموقف الإسباني على الصعيد الأوروبي والدولي
على الصعيد الأوروبي، يتطلع الكثيرون إلى أن يؤدي هذا التحول في الموقف الإسباني إلى استعادة القوى الليبرالية والاشتراكية تفاؤلها في كبح جماح اليمين المتطرف. ويراهن البعض على انحسار ما يسمونه “الإعصار الترمبي” بعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة.
كشفت مصادر مقربة من سانشيز أن رئيس الوزراء الإسباني كان يتابع بدقة التطورات في المنطقة والموقف الأميركي، وتواصل مع غالبية نظرائه الأوروبيين، إضافة إلى قادة في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. وقد لعب تنسيقه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دوراً حاسماً في اتخاذ موقف موحد رافض للحرب.
كما تكشف المعلومات عن اتفاق بين سانشيز وماكرون على إرسال سفينة حربية إسبانية لتشكيل قوة أوروبية للدفاع عن قبرص، مما يعكس رغبة أوروبية في تعزيز الاستقلالية في السياسات الخارجية والدفاعية. وينظر إلى الموقف الإسباني حالياً كنواة لموقف أوروبي موحد يرفض فكرة أن تكون الولايات المتحدة قوة استبدادية ومزاجية قادرة على شن حروب غير شرعية دون استراتيجية واضحة أو احتساب للتداعيات.
يتطابق موقف سانشيز الحالي مع مواقفه السابقة تجاه حرب أوكرانيا وعدوان إسرائيل على غزة، حيث كان من أشد المدافعين عن القانون الدولي والشرعية الأممية. هذا التوجه يعزز من مكانة إسبانيا ودورها كصوت أوروبي مؤثر يعارض السياسات الأحادية ويسعى لتحقيق الاستقرار والعدل في المنطقة والعالم.
ما ينتظرنا في الأيام والأسابيع القادمة هو مدى قدرة سانشيز على الحفاظ على هذا الزخم الأوروبي ودفع باقي العواصم للتبني الكامل لموقفه. كما ستكشف الأيام القادمة عن مدى تأثير التهديدات الأميركية على الاقتصاد الإسباني وتغيرات المشهد السياسي الداخلي في إسبانيا.































