مظهر «مار آ لاغو»… سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، برز مصطلح “وجه مار آ لاغو” (Mar a Lago Face) على منصات التواصل الاجتماعي، ليصف أسلوباً جمالياً محدداً ارتبط بمؤيدي الرئيس السابق دونالد ترمب وحركة “اجعل أميركا عظيمة مجدداً” (MAGA). يعزى هذا المصطلح إلى أحد المقاطع الساخرة التي انتشرت على “تيك توك”، ويشير إلى مجموعة من الملامح الجمالية التي أصبحت رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لهذه الحركة. الاسم نفسه مستمد من “مار آ لاغو”، النادي الخاص لترمب في فلوريدا، والذي أصبح مركزاً لمناسباته كما ارتبط مؤخراً ببعض الوثائق الهامة.

تتميز هذه الإطلالة بماكياج كثيف، وبشرة برونزية، وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة، وخدود بارزة، وشعر مصفف بعناية. توضح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، طبيبة التجميل ومؤسسة عيادة ألتاديرما، أن هذا الأسلوب، رغم فخامته الظاهرية، يعكس فلسفة جمالية تقليدية، ولكنه يحمل رسالة أعمق تتعلق بالهوية السياسية والمكانة الاجتماعية.

نادي “النخبة الترمبية”

في نوفمبر 2025، ظهرت إيريكا كيرك، أرملة الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، بإطلالة تحمل سمات “وجه مار آ لاغو” لتؤكد استمرار مهمة زوجها. هذا المظهر، الذي تميز بشفاه ممتلئة، ورموش كثيفة، وشعر مصقول، لم يكن مجرد تعبير عن التماسك بعد فقدان الزوج، بل كان تأكيداً على الانتماء إلى دائرة “نادي ترمب” النخبوي، الذي يفرض صورة محددة تعزز الأدوار الجندرية التقليدية.

إن انعكاس الانتماء السياسي على المظهر، وخاصة النسائي، ليس بالأمر الجديد، ولكنه شهد زخماً ملحوظاً في عهد ترمب، الذي لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، معتبراً إياهما سمة للنجاح. يتجلى هذا التوجه في سياسات الرئيس، مثل الأمر التنفيذي الموقع في بداية ولايته الثانية، والذي أعاد التأكيد على الجنسين البيولوجيين فقط، مما يعكس رغبة في ترسيخ الفروقات وتوضيحها، وهو منطق يتناغم مع أسلوب “مار آ لاغو” الذي يعزز الأنوثة والرجولة بملامح محددة.

لا أحد يولد بوجه “ماغا”

تؤكد طبيبة التجميل البريطانية إيما غولدينغ أن “وجه مار آ لاغو” ليس ظاهرة طبيعية، بل هو أقرب إلى “أقنعة فاخرة”. وتضيف غولدينغ في حديث لـ”الشرق الأوسط” أن تكرار هذا الأسلوب ضمن مجموعة ما، خاصة في واشنطن، يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، مما يحول الجمال إلى زي رسمي يفقد فيه الفرد خصوصيته.

على الرغم من أن أصحاب هذه الإطلالات عادة ما يملكون القدرة على الاستعانة بأمهر جراحي التجميل للحصول على “المظهر الحسن” بالمفهوم “الترمبي”، إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير، حيث لطالما ربط الجمال بالنجاح والقيمة الاجتماعية. وبذلك، أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة “استراتيجية سياسية”.

بطاقة لمراكز النفوذ

تشير محررة الجمال جيسيكا ديفيون إلى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر أصبح آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ. وتستشهد بحالات مثل حاكمة داكوتا الجنوبية كريستي نويم، التي يُعتقد أنها خضعت لإجراءات تجميلية لتعزيز فرصها في الحصول على منصب وزيرة الأمن الداخلي.

شخصيات أخرى في محيط ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحفية باسم البيت الأبيض، ولارا ترمب، غالباً ما يظهرن بمظهر يخضع لعمليات مكياج ثقيل أو تدخلات جراحية. اللافت هو السعي إلى تعزيز الشباب، ولكن نموذج “المرأة الترمبية” يسعى إلى الظهور أكبر سناً، وكأن التقدم في العمر يمنح مصداقية ونفوذاً، رغم أن بعضهن لم يبلغن الثلاثين بعد.

رغم أن هذا الاهتمام قد يبدو مبالغاً فيه، إلا أنه يعكس شخصية تتميز بالانضباط والطموح. وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة “تيك توك” و”إنستغرام”، دوراً مهماً في نشر وترويج هذا الأسلوب الجمالي، من خلال تقديم دروس مكياج وتحديد ملامح الوجه بطريقة معينة.

بين نيويورك وواشنطن

في مشهد يقدم خياراً مختلفاً، تبرز راما دواجي، عقيلة عمدة نيويورك، بأسلوب يجمع بين الهدوء والرقي، مؤكدة على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. دواجي، وهي فنانة من أصول سورية، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، دون الحاجة إلى تضخيم الملامح. أسلوبها المتوازن أشاد به المدافعون عن حقوق المرأة، مبرزاً أن المرأة ليست مضطرة للانصهار في عالم الرجل أو تبني الأنوثة الطاغية للنجاح.

حضور دواجي يعيد الاعتبار للمرأة التي تؤمن بأن قيمتها تنبع من عقلها أولاً، ثم من مظهرها. جمالها الطبيعي، إلى جانب بساطة مظهرها وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها، كان سلاحاً قوياً في الحملة الانتخابية لزوجها.

“هوليوود” تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، شهد عالم الأناقة موجة من “الفخامة الهادئة”، حيث ابتعدت نجمات هوليوود عن الإجراءات التجميلية التقليدية. تفسر الدكتورة ماريا أنجيلو أن الاتجاه المستقبلي يتركز على النتائج الهادئة والطويلة الأمد، بدلاً من الإعلانات المبالغ فيها عن العلاجات.

في هذا التحول، تتجنب نجمات السجاد الأحمر المبالغات التي قد تربطهن بـ”اليمين المتطرف”. من الأمثلة البارزة ظهور باميلا أندرسون بوجه خالٍ من المكياج، مما أكسبها إعجاباً وأعادها إلى الواجهة. كما اعترفت نجمات أخريات بالندم على إجراءات تجميلية سابقة.

تتبنى نجمات مثل غوينيث بالترو هذا الاتجاه، مفضلات “الثراء الصامت” الذي يعكس ذوقاً رفيعاً. أما الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بداياتها تتجنب المكياج، فقد ظهرت مؤخراً بأحمر شفاه قوي، مما أثار جدلاً حول ميولها السياسية، ليتحول بذلك ذوق شخصي إلى إشكالية ثقافية وسياسية.

ماذا بعد ترمب؟

يطرح السؤال حول استمرارية “وجه مار آ لاغو” بعد نهاية عهد دونالد ترمب. يظل الجواب مفتوحاً، نظراً لكون هذا الأسلوب قد تسرب إلى بيئات أخرى خارج التيار السياسي المباشر. وترتبط به أيضاً زوجات مليارديرات، مثل لورين سانشيز، اللواتي يعملن على ترسيخ صورة الأنثى الحسية المرتبطة بالسلطة والثراء.

توضح الدكتورة ماريا أنجيلو أن المظهر الخارجي يعكس الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة، ويمكن أن يوفر شعوراً بالأمان في أوقات عدم اليقين. وتشدد على أن الخيارات الجمالية يجب أن تخدم الفرد، وليس فقط البيئة أو الزمن الذي يعيش فيه، مشيرة إلى أن ما يعتبر ثقة في سياق ما قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في سياق آخر.

يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كان “وجه مار آ لاغو”، المرتبط بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.