نبيل فهمي… دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

في خضم التحديات الجيوسياسية الراهنة التي تعصف بالمنطقة، يبرز اسم الدبلوماسي المخضرم نبيل فهمي، المرشح بقوة لتولي منصب الأمين العام لـجامعة الدول العربية. فقد اعتمد وزراء الخارجية العرب بالإجماع توصية للقمة العربية المقبلة بترشيحه لهذا المنصب الرفيع اعتبارًا من يوليو (تموز) المقبل ولمدة خمس سنوات، خلفًا للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليصبح الأمين العام التاسع للمنظمة منذ تأسيسها عام 1945.

تُعد هذه المسؤولية، بحسب فهمي نفسه، “كبيرة” في ظل ما تواجهه المنطقة من “تحديات غير مسبوقة ومخالفات صارخة للقانون الدولي”. ويأتي هذا الترشيح في وقت حاسم يتطلب قيادة دبلوماسية حكيمة وقادرة على تعزيز العمل العربي المشترك وحماية استقرار المنطقة.

نبيل فهمي: كفاءة دبلوماسية وأكاديمية لقيادة “بيت العرب”

نبيل فهمي، المولود في نيويورك عام 1951، ينحدر من عائلة دبلوماسية عريقة، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي. وعلى الرغم من نشأته في قلب العمل الدبلوماسي، إلا أنه اختار في البداية مسارًا أكاديميًا مختلفًا، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

تزامن عمله في مكتب الرئيس المصري الراحل أنور السادات مع سعيه لإتمام الماجستير في إدارة الأعمال، لكن القدر قاده نحو السلك الدبلوماسي عام 1976. التحق فهمي بوزارة الخارجية المصرية ليقدم مسيرة مهنية حافلة بالنجاحات أربع مجموعات من الدبلوماسية. وأشار فهمي في مذكراته “في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير” إلى أن الالتحاق بالعمل الدبلوماسي كان “مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام”.

رحلة دبلوماسية حافلة بالخبرات

امتدت مسيرة نبيل فهمي الدبلوماسية لنحو أربعة عقود، تنقل خلالها بين العديد من المناصب الحساسة. عمل في نزع السلاح بالأمم المتحدة، ومستشارًا سياسيًا لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى. وتُعد فترة عمله سفيرًا لمصر لدى الولايات المتحدة بين عامي 1999 و2008 من أبرز محطاته، خاصة وأنها تضمنت أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 المفصلية.

تميز فهمي بـ”الواقعية الحذرة” و”الخطاب الرزين” في معالجة القضايا الدبلوماسية، مما منحه القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة. وقد شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. كما كان عضوًا في الوفد المصري بمؤتمر مدريد للسلام عام 1991 ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وزير الخارجية ومرحلة “إعادة التوجيه”

تولى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة حرجة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، عقب أحداث “30 يونيو”. خلال هذه الفترة، صاغ استراتيجية “إعادة التوجيه” للعلاقات الدولية المصرية، مؤمنًا بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها وتواجه تحديات داخلية ودولية كبيرة. وفتح آفاقًا جديدة في علاقات مصر الدولية والإقليمية معتمدًا مبدأ “الندية الاستراتيجية”.

لطالما أكد فهمي أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق المصالح المتبادلة وليس بـ”التحالفات المطلقة”. وقد أثار جدلاً بتصريحات شبه فيها العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ”الزواج”، لا “علاقة ليلة واحدة”، معلقًا على التوتر الذي شاب العلاقات أحيانًا، وهو ما أوضحته وزارة الخارجية حينها بأنه يُقصد به العلاقات الممتدة التي تحتاج إلى جهد مستمر.

العمل الأكاديمي وبناء الأجيال

بعد انتهاء عمله في واشنطن عام 2008، كرس فهمي جهوده للعمل الأكاديمي، حيث أسس “كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة” (GAPP) بالجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وشغل منصب العميد المؤسس للكلية حتى عام 2022. كما شارك في مراكز بحثية دولية، مقدمًا تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. له العديد من المقالات والكتب التي تشرح رؤيته للنظام الدولي وتحديات الدبلوماسية في زمن التحولات.

يمنح هذا المزيج الفريد من الخبرة العملية العميقة والنظرة الأكاديمية الثاقبة رؤية فهمي بعدًا تحليليًا وحضورًا قويًا في النقاشات حول إصلاح المنظومة العربية. وهو يرى أن توسع الدول القوية في استخدام القوة يشير إلى الاندفاع نحو “ترجيح المعادلات الصفرية” و”الانفرادية الأحادية المصلحة” على حساب “الجماعية والمصالح المتبادلة”.

بترشيحه لرئاسة جامعة الدول العربية، يواجه نبيل فهمي تحديات جسيمة تتطلب رؤية استراتيجية للحفاظ على استقرار المنطقة. ويتوقع أن يُركز الدبلوماسي المخضرم على التشاور مع الدول الأعضاء لمواجهة التحديات وتعزيز مسارات البناء وتنمية المصالح المشتركة، بهدف تأمين مستقبل عربي أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا. تترقب المنطقة موافقة القمة العربية على هذا الترشيح بفارغ الصبر، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك، بقيادة دبلوماسي يجمع بين الحكمة والخبرة لمواجهة تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي.