في خطوة جريئة تهدف إلى إنعاش شعبيته وتعزيز مكانة إسبانيا على الساحة الدولية، يراهن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على المشاعر والتعاطف الدولي لمعارضة الحرب المحتملة ضد إيران، مستفيدًا من خبرته في تحويل السياسة الخارجية إلى ورقة رابحة داخليًا. تأتي هذه الجهود في وقت حساس تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة، مما يضع إسبانيا في موقف دبلوماسي محوري.
يتوجه سانشيز بكل ثقله نحو الدخول في معركة سياسية ضد الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، مكثفًا اتصالاته الدولية مع نظرائه الأوروبيين والانضمام إلى الموقف الرافض لهذه الحرب. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تجنب التداعيات الكارثية التي قد تطال شرارتها بلدان الاتحاد الأوروبي، وذلك بالتعاون مع حلفائه وأصدقائه.
سانشيز يراهن على المشاعر: تحول في السياسة الخارجية
لا يغيب عن سانشيز أن الخروج عن الخط الأمريكي التقليدي قد يكون له ثمن باهظ، خاصة في ظل إدارة أمريكية سابقة. ومع ذلك، يدرك أيضًا أن هذه الخطوة توفر له منافع سياسية داخلية، مثل تحفيز القوى اليسارية والتقدمية في إسبانيا التي عانت من تراجع خلال السنوات الماضية. يعتمد سانشيز في رهانه على أن الناخبين، في ظروف معينة، يميلون أكثر إلى التحرك تحت تأثير المشاعر والانفعالات، بدلًا من الاعتماد على البرامج والحجج المنطقية.
تتركز جهود سانشيز الدبلوماسية مع شخصيات أوروبية بارزة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، الذي تجمعه به صداقة قوية. كما يبدي انفتاحًا على التواصل مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، خاصة بعد التحولات الطارئة في موقفها تجاه النزاع. يمتد نفوذ سانشيز الدبلوماسي إلى خارج أوروبا، حيث أجرى اتصالات مع الرئيس البرازيلي لولا والرئيسة المكسيكية كلوديا شاينباوم، التي أعلنت عن تأييدها لموقفه الرافض للحرب.
تحركات دبلوماسية مكثفة وتغير في المواقف الأوروبية
يقود وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل آلباريس اتصالات مكثفة مع نظرائه في الاتحاد الأوروبي بهدف تغيير الموقف الأوروبي الراجع، والذي كان يتماهى في البداية مع الموقف الأمريكي. تستند مدريد في تحركاتها هذه إلى استطلاعات الرأي الأوروبية والدولية التي تشير إلى معارضة الرأي العام الواسعة للحرب وتعاطفه مع القادة الذين يرفضونها.
مصادر مقربة من سانشيز تشير إلى أنها بدأت “تلمس في الأيام الأخيرة”، خاصة بعد إطلاق تحذيرات من تبعات اقتصادية وخيمة للحرب، “تحولًا تدريجيًا في مواقف العواصم الأوروبية”. ومع ذلك، تظل برلين استثناءً، حيث يستبعد أن تخرج عن انحيازها التاريخي لإسرائيل، على الرغم من أن الأوساط الإعلامية الألمانية بدأت تنتقد موقف المستشار الألماني ميرتس وتصريحاته.
يتوقع مستشارو بيدرو سانشيز أن يتكرر هذه المرة ما حدث عندما اعترفت إسبانيا بالدولة الفلسطينية خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية على غزة. حينها، بدت إسبانيا وحيدة في موقفها إلى جانب أيرلندا، لكن مع احتدام الحرب وتفاقم الخسائر البشرية الفلسطينية، تغير الموقف الأوروبي بصورة غير مسبوقة، خاصة بعد اعتراف بريطانيا وفرنسا بـ “الدولة”. هذا السيناريو يوفر سابقة قوية لرهان سانشيز الحالي على تحول المشاعر العالمية.
تداعيات استراتيجية ورهان على التعاطف العالمي
تؤكد هذه الاستراتيجية على إيمان سانشيز بأن التعاطف العالمي يمكن أن يكون قوة دافعة في العلاقات الدولية، وقادرة على حشد الدعم لمواقف تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية. من خلال تسليط الضوء على المخاطر الإنسانية والاقتصادية للحرب المحتملة ضد إيران، يسعى سانشيز لبناء تحالف دولي يضغط من أجل الحلول الدبلوماسية، مستفيدًا من أي تراجع في شعبية القادة الآخرين أو ضغوط داخلية قد يتعرضون لها.
تظل الفترة القادمة حاسمة لمراقبة مدى نجاح سانشيز في حشد الدعم اللازم وتأثير هذه الجهود على المشهد السياسي الأوروبي والدولي. هل ستتمكن إسبانيا من قيادة تحول حاسم في الموقف تجاه الصراع، أم أن حسابات القوة التقليدية ستبقى هي المسيطرة؟ الأيام القادمة ستحمل الإجابة، وستكشف ما إذا كانت المشاعر والتعاطف قادرين حقاً على تغيير مسار السياسة العالمية.































