بدأت الجولة الثالثة من المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، بهدف تسوية النزاع القائم حول البرنامج النووي الإيراني وتجنب تصعيد عسكري محتمل. شهدت المباحثات، التي تتوسط فيها سلطنة عُمان، جهوداً دبلوماسية حثيثة مع إبداء إيران “مرونة” من جهة، وإصرار أميركي على مناقشة برامج الصواريخ الباليستية من جهة أخرى.
عقد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مشاورات مع نظيره العُماني، بدر البوسعيدي، في جنيف قبيل بدء تبادل الرسائل مع الوفد الأميركي. أعلنت وزارة الخارجية العُمانية أن اللقاء تناول “استعراض مرئيات ومقترحات الجانب الإيرانيوردود واستفسارات الفريق التفاوضي الأميركي”.
محادثات جنيف: إيران تظهر مرونة وإصرار أميركي على الملف الباليستي
تُعد هذه الجولة هي الثانية التي تُعقد في جنيف خلال فترة قصيرة، وتأتي في ظل تعزيزات عسكرية أميركية في المنطقة، مما يزيد من أهمية التوصل إلى اتفاق.
أكدت السفارة العُمانية في بيان لها أن المفاوضات تركز على “معالجة العناصر الرئيسية لبرنامج إيران النووي والضمانات اللازمة للتوصل إلى اتفاق يشمل الجوانب الفنية والرقابية كافة”.
صرح وزير الخارجية العُماني بأن المساعي مستمرة “بروح بناءة”، مشيراً إلى انفتاح المفاوضين على “أفكار وحلول جديدة بصورة غير مسبوقة”.
من جانبها، أوضحت وزارة الخارجية الإيرانية أن المفاوضات تقتصر على الملف النووي ورفع العقوبات. ونقل المتحدث باسم الوزارة، إسماعيل بقائي، عن الوفد الإيراني تأكيده على حق إيران في “الاستخدام السلمي للطاقة النووية”.
في المقابل، اعتبر وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، أن رفض طهران مناقشة برنامجها للصواريخ الباليستية “يمثل مشكلة كبيرة”، مشيراً إلى أن هذه الصواريخ “مُصمَّمة فقط لضرب أميركا” وتشكل تهديداً لاستقرار المنطقة.
أشار روبيو إلى أنه إذا لم يتم إحراز تقدم في الملف النووي، فسيكون من الصعب التقدم في ملف الصواريخ الباليستية أيضاً.
سبق لجولة جنيف هذه، لقاء بين عراقجي ونظيره العُماني، حيث ناقشا “آخر المستجدات والوقوف على المرئيات والمقترحات” بهدف التوصل إلى اتفاق.
أكدت “الخارجية الإيرانية” أن عراقجي عرض “وجهة النظر واعتبارات الجمهورية الإسلامية بشأن الملف النووي ورفع العقوبات” الدولية.
شددت طهران على “تصميمها” على اعتماد “دبلوماسية تستند إلى النتائج لضمان المصالح وحقوق الشعب الإيراني، والسلام والاستقرار في المنطقة”.
وكان عراقجي قد صرح بأن “الاتفاق في متناول اليد.. لكن فقط إذا مُنحت الأولوية للدبلوماسية”.
جاءت استئناف المفاوضات بعد جهود دبلوماسية إقليمية مكثفة، أملت في إنهاء أزمة البرنامج النووي الإيراني.
تصر إيران على أن تقتصر المباحثات على الملف النووي، بينما يؤكد مسؤولون أميركيون وغربيون ضرورة أن يشمل أي اتفاق برنامجها الصاروخي ودعمها للجماعات المسلحة.
عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال خطاب حالة الاتحاد، مبررات هجوم محتمل على إيران، مفضلاً الحلول الدبلوماسية لكنه أكد أن بلاده “لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي”.
أشار ترامب إلى أن إيران “صممت بالفعل صواريخ يمكنها تهديد أوروبا وقواعدنا (العسكرية) في الخارج”، وأنها “تعمل على بناء صواريخ ستكون قريباً قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة”.
عدَّ ترامب الأسبوع الماضي أن “تغيير النظام” في إيران سيكون “أفضل ما يمكن أن يحدث”، مؤكداً ضرورة “التوصل إلى اتفاق، وإلا فسيكون الأمر مؤلماً جداً”.
من جانبه، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن أي اتفاق يجب أن يضمن نقل كامل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، و”تفكيك” أي قدرة على التخصيب، ومعالجة البرنامج الصاروخي.
ضغوط على إيران داخلياً وخارجياً
نشرت الولايات المتحدة قوة عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط، بما في ذلك طائرات مقاتلة ومجموعات هجومية لحاملات طائرات، في مسعى للضغط على إيران لتقديم تنازلات.
غادرت حاملة الطائرات الأميركية “جيرالد آر. فورد” ميناء قرب جزيرة كريت متجهة نحو شواطئ قرب حيفا. كما أرسلت الولايات المتحدة نحو 12 طائرة مقاتلة من طراز إف-22 إلى إسرائيل.
حدد ترامب مهلة 10 إلى 15 يوماً لإيران للتوصل إلى اتفاق، محذراً من “عواقب وخيمة” في حال عدم ذلك.
جدد عراقجي تأكيده على سعي إيران لاتفاق عادل وسريع، مع التشديد على عدم التنازل عن حقها في امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية.
ذكرت تقارير أن طهران تطرح تنازلات جديدة مقابل رفع العقوبات والاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم، في محاولة لتجنب هجوم أميركي، إلا أن انقسامات كبيرة لا تزال قائمة بين الطرفين.
داخلياً، يواجه المرشد الإيراني أشد أزمة خلال حكمه، في ظل تدهور اقتصادي واحتجاجات متجددة.
قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن خامنئي أصدر “فتوى تحرم أسلحة الدمار الشامل”، مما يعني بوضوح أن طهران لن تصنع أسلحة نووية.
أوضح علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني، أن التوصل إلى اتفاق فوري “في متناول اليد” إذا كان جوهر المفاوضات يكمن في التزام إيران بعدم تصنيع سلاح نووي.
تؤكد القيادة الإيرانية أن برنامجها النووي يبقى ضمن حدود معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وتلتزم بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تظل طبيعة مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي يزيد على 400 كيلوغرام، محاطة بالغموض.
ماذا بعد؟
تتواصل الجهود الدبلوماسية وسط ترقب لمدى قدرة الطرفين على تجاوز الخلافات، خاصة فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية و”ضمانات الاستدامة” لأي اتفاق يتم التوصل إليه. يبقى مستقبل هذه المفاوضات مرهوناً بقدرة إيران على إظهار مرونة حقيقية والتزام أميركي بسقف التفاوض.




























