غوارديولا بين الإصابات والابتكار… كيف حافظ على فاعلية هجوم سيتي؟

بيب غوارديولا: عبقرية تكتيكية في وجه الإصابات وغياب الأجنحة

يواصل مانشستر سيتي، تحت قيادة مدربه بيب غوارديولا، إبهار عشاق كرة القدم بقدرته المذهلة على التأقلم مع المتغيرات، لا سيما في خطه الهجومي. ففي ظل استراتيجية مرنة تعتمد على اللعب الضيق والعريض بحسب الظروف، نجح الفريق في الحفاظ على قوته التهديفية رغم موجة الإصابات وغياب بعض العناصر الأساسية، وخاصة الأجنحة التقليديين. وتبرز مرونة غوارديولا التكتيكية وقدرته على إعادة توزيع الأدوار كعامل حاسم في استمرار فعالية هجوم الفريق.

أحد أبرز ملامح هجوم مانشستر سيتي هذا الموسم هو براعته في التحول بين الرتمين الهجوميين، الضيق والعريض، بناءً على نوعية اللاعبين المتاحين وخطة المنافس. ظهرت هذه المرونة بوضوح في فوز الفريق 2 – 1 خارج أرضه على نوتنغهام فورست في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حيث تحول من رسم 4 – 3 – 3 الضيق بالكرة إلى 3 – 1 – 3 – 3 في الشوط الثاني، مما ساهم في تمديد خطوط الخصم وخلق مساحات بين الخطوط، وفقاً لتحليلات شبكة “The Athletic”.

ساعدت التحركات التبادلية والانسيابية في كلا الهيكلين الهجوميين فريق سيتي على اختراق الكتل الدفاعية. وكان لحسن أداء جيريمي دوكو في الأدوار الضيقة، بالإضافة إلى مرونة نيكو أوريلي، دور محوري في ذلك. لكن الإصابات التي تعرض لها دوكو وسافينيو حرمت المدرب بيب غوارديولا من جناحين تقليديين. وفي الوقت نفسه، عاد عمر مرموش من كأس الأمم الأفريقية، مما زاد من عدد المهاجمين الذين يفضلون اللعب في العمق.

وفي تصريحات له هذا الشهر، قبل مواجهة سالفورد سيتي في كأس الاتحاد الإنجليزي، أوضح غوارديولا: “نتأقلم مع جودة اللاعبين المتاحين لدينا. نملك جناحاً طبيعياً واحداً حالياً مع أنطوان سيمينيو؛ لذلك عدّلتُ النظام ليكون اللاعبون في أفضل حال”.

ومنذ الفوز 2 – 0 على وولفرهامبتون الشهر الماضي، اعتمد سيتي غالباً على رسم 4 – 2 – 2 – 2. في هذا الرسم، يتقدم اثنان من الثلاثي المكون من إيرلينغ هالاند، عمر مرموش، وأنطوان سيمينيو في خط الهجوم، على أن يلعب خلفهما ثنائي في الوسط الهجومي. كما تتيح مرونة سيمينيو له التحرك في أحد مركزي “10” خلف مرموش وهالاند، وهو رسم لجأ إليه سيتي في النصف الثاني من الموسم الماضي.

ابتكار تكتيكي رغم التحديات

لا تختلف الحلول الهجومية كثيراً عما كان يعتمده الفريق في خطة 4 – 3 – 3 الضيقة، لكن اختلاف نوعية اللاعبين ومواقع انطلاقهم يغيران طريقة تطبيق الأفكار. يتواصل فريق غوارديولا في البحث عن أسلوب التمرير بين الخطوط لإرباك تمركز المنافس، كما حدث في هدف سيمينيو أمام وولفرهامبتون.

في تلك اللقطة، تمركز ريان شرقي وتيجاني رايندرز بوصفهما لاعبي وسط هجوميين خلف مرموش وسيمينيو. تحرك برناردو سيلفا خطوة إلى الأمام بين الخطوط، مما جذب انتباه لاعب المنافس آندريه، وخلق تفوقاً عددياً مؤقتاً أتاح لرودري تمرير الكرة إلى شرقي في مساحة خالية. ثم تمركز مرموش وسيمينيو بين ظهيري الجنب وقلبَي الدفاع الواسعين لوولفرهامبتون، مما منعهم من التقدم لدعم الوسط، ليجد آندريه نفسه في موقف اثنين ضد واحد. من هناك، وصلت الكرة إلى سيمينيو الذي استغل المساحة بلمسة أولى ذكية، قبل أن يسدد في الزاوية البعيدة مسجلاً الهدف الثاني.

وفي مثال آخر من الفوز 3 – 1 على نيوكاسل في نصف نهائي كأس الرابطة الإنجليزية، جاء الاختراق عبر تناغم بين لاعب الوسط الهجومي والمهاجم لاستهداف المساحة خلف الدفاع. هبط مرموش لتسلم الكرة، مما دفع لاعب نيوكاسل مالك ثياو للتقدم. في الأثناء، لم يلتزم مدافع نيوكاسل سفين بوتمان برقابة لاعب الوسط تيجاني رايندرز تحسباً للكرات الطويلة. هذا التردد أتاح لمرموش ورايندرز التمرير في المساحة خلف ثياو وبوتمان، فيما أجبر اندفاع سيمينيو المدافع دان بيرن على تطبيق مصيدة التسلل. حاول بيرن التعويض، لكن تأخره أدى إلى ارتداد الكرة من مرموش ودخولها الشباك.

وخلال مواجهة غلطة سراي في دوري أبطال أوروبا، التي انتهت بفوز سيتي 2 – 0، استخدم الفريق المهاجم كطُعم لفتح المساحات. شغل مرموش ظهير أيمن غلطة سراي، رولاند سالاي، وجذبه للأمام، ليمنح جيريمي دوكو مساحة للانطلاق خلف الدفاع. ومع تمركز إيرلينغ هالاند وريان شرقي لدعم الهجمة، اندفع دافينسون سانشيز لمواجهة دوكو، فيما تراجع إلكاي غوندوغان لدعم الخط الخلفي. هذا التحرك خلق فراغاً على حافة منطقة الجزاء استغله شرقي ليسجل الهدف الثاني.

ومن سمات هذا الرسم الهجومي أيضاً الانطلاقات المتأخرة من لاعبي الوسط إلى داخل منطقة الجزاء. ففي الفوز 2 – 1 على نيوكاسل السبت الماضي، حسم نيكو أوريلي اللقاء برأسية بعد تحرك متأخر بين الظهير الأيمن وقلب الدفاع، مستفيداً من تموضع دفاعي غير مثالي إثر عرضية هالاند نحو القائم البعيد.

هذه التركيبات التمريرية المركزية والتحركات المتبادلة ليست جديدة على مانشستر سيتي، لكن اللافت هو سرعة تكيف الفريق مع خصائص اللاعبين المتاحين، مع الحفاظ على الفاعلية الهجومية ذاتها. يظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كان الاعتماد على رسم 4 – 2 – 2 – 2 سيستمر. وفي رد له الجمعة الماضي، قال غوارديولا: “سنرى عندما يعود الأجنحة. حالياً نملك جناحاً واحداً تقريباً؛ سافيو عاد جزئياً”.

في الختام، يظل شكل مانشستر سيتي الهجومي مرتبطاً بعاملين يكررهما غوارديولا طيلة مسيرته: طبيعة المنافس، ونوعية اللاعبين المتاحين. وبين هذا وذاك، يثبت مانشستر سيتي أن مرونته التكتيكية لا تقل أهمية عن موهبته الفردية في سعيه للحفاظ على زخمه بمختلف المسابقات.