تُشهد موائد المصريين في الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك تغيراً ملحوظاً في أطباقها المعتادة، حيث تبتعد بعض الأكلات الشعبية عن الظهور، مفضلةً أطباقاً أخرى ترتبط بالكرم والاحتفاء بهذا الشهر الفضيل. ورغم مكانتها الراسخة، ينحسر طبق “الكشري” مؤقتاً عن الموائد الرمضانية الأولى، ليظهر مجدداً مع قرب نهاية الشهر أو خلال أيام عيد الفطر، بينما تزدهر أطباق مثل المحشي والملوخية واللحوم والدواجن.
أكلات تُخاصم الموائد المصرية في أوائل رمضان
لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل. ففي الثقافة الرمضانية المصرية، لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و”اللمة”. لذلك، خلال بداية الشهر، يفضل الصائمون أطباقاً مثل الطواجن والعصائر والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك، بينما تبتعد أطباق قد تزيد من الشعور بالعطش.
في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل “الكشري” إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر. يتصل هذا الابتعاد عن الكشري في بداية رمضان بارتباطه بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، حيث يُنظر إليه، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة وبصل محمر، كوجبة “حارة” قد تزيد الإحساس بالعطش بعد ساعات الصيام. وبالمثل، يرتبط السمك، خصوصاً المملح والمتبل بالثوم، بالعطش الممتد.
وتقول فاطمة القاضي، معلمة وربة أسرة، إن الناس في بدايات الشهر لا يشتهون أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبلون أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات. وتضيف أنه مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، يبدأ البحث عن أكلات أخف مع النصف الثاني من رمضان، وقد يتم كسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير.
في المقابل، تنعكس هذه “الذائقة” الرمضانية على حركة السوق. يوضح كمال السيد، الذي يعمل في محل لبيع الكشري، أن محلات الكشري غالباً ما تُغلق أبوابها في النصف الأول من شهر رمضان لأن الناس تعزف عن تناوله في مطلع الشهر. ويعودون للعمل مع النصف الثاني، ليصبح الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة. وأحياناً أخرى، يطلب القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار.
ويشير السيد إلى أن بعض محلات الكشري قد تغلق طوال الشهر، حسب قدرة صاحب المحل على تحمل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها. ويستغل آخرون أيام الإغلاق كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد. فالكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق.
مع اقتراب شهر رمضان 2026، يتساءل الكثيرون عن هذه الظاهرة الغذائية الرمضانية. من المتوقع أن تستمر هذه العادات الغذائية، مع تزايد البحث عن أطباق خفيفة وصحية في الأيام الأولى من الشهر، قبل العودة إلى الأطباق الدسمة والمتنوعة في النصف الثاني. يبقى السؤال حول مدى تأثر هذه العادات بأي مستجدات اقتصادية أو اجتماعية قد تطرأ خلال الفترة القادمة.
































