القهوة… سيدة السفرة الرمضانية وتقليد لا يغيب عن المائدة

تُعد القهوة العربية، ورائحة الهيل الزكية، سيدة المائدة الرمضانية بلا منازع، وضيفاً أصيلاً لا تغيب عن تفاصيل الاحتفال بهذا الشهر الفضيل في البيوت السعودية. من الرياض إلى جدة، ومن نيوم إلى عسير، تفوح رائحة “الحمسة” معلنةً عن تقليد متجذر يتجاوز مجرد المشروب ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الإرث الثقافي والاجتماعي.

قبل حلول شهر رمضان المبارك، تشهد أسواق ومحامص القهوة نشاطاً ملحوظاً، حيث تحرص الأسر على تأمين الكميات اللازمة لضمان وجود القهوة كضيف لا بد منه على سفرتهم الرمضانية، مؤكدةً على مكانتها كرمز للكرم والضيافة.

في أسواق العويس الشعبية بالرياض، تتغير وتيرة العمل بشكل لافت قبيل حلول الشهر الكريم، حيث تصطف أكياس البن وتعمل آلات التحميص بكثافة استعداداً للموسم الأهم في العام. تتصدر القهوة السعودية واجهة الضيافة الرمضانية، لتصبح ركناً أساسياً في المجالس والسفر.

يقول محمد السيحاني، أحد أصحاب محال القهوة في السوق، أن الإقبال على القهوة يزداد بشكل ملحوظ قبل رمضان بنحو خمسة عشر يوماً، مؤكداً أن القهوة “جزء من عاداتنا وتقاليدنا، ولا تكاد تخلو منها سفرة أو مجلس، خاصةً في الشهر الكريم”.

أنواع القهوة السعودية المفضلة والمواصفات

تتعدد أنواع القهوة السعودية المعروضة في السوق، وتختلف في مصدرها ودرجة تحميصها ومستوى مرارتها. ويُعدّ أبرز الأنواع المتداولة في أسواق العويس هي اللقاميتي (LLaméti) من الدرجة الأدنى في التحميص والمرارة، ثم الهرري (Harari)، والبرية (Burrié)، والخولاني (Khawlani). وتُعتبر القهوة الهرري هي الأكثر طلباً في منطقة الرياض، وغالباً ما تحمص على الدرجة المتوسطة (رقم 2)، تليها اللقاميتي. أما البرية فتأتي بدرجة مرارة أخف نسبياً. وتعود أصول نوعي الهرري واللقاميتي إلى إثيوبيا، وبالتحديد من مناطق هرر ولقاميتي، حيث تسهم جودة التربة في هرر في تميزها وارتفاع الإقبال عليها.

دورة تحميص دقيقة لضمان النكهة

تتطلب عملية تجهيز القهوة مراحل دقيقة تمر بها القهوة السعودية لضمان جودة مذاقها. تبدأ بمرحلة التحميص على نار هادئة، حيث يستغرق التحميص المتوسط حوالي 45 دقيقة، تعقبها مرحلة تبريد تمتد لمدة 15 دقيقة. بعد ذلك، يتم الانتقال إلى مرحلة الطحن وإضافة الهيل. تستغرق دورة التجهيز الكاملة حتى تكون القهوة جاهزة للبيع ما بين ساعتين وثلاث ساعات، بحسب الكمية المطلوبة ودرجة التحميص، مع ضرورة الالتزام الدقيق بدرجات الحرارة ومدة التحميص للحفاظ على نكهة فريدة.

ارتفاع المبيعات والأسعار في رمضان

يشهد شهر رمضان الكريم حركة كبيرة في سوق القهوة، ويرتفع الضغط على المحامص والمطاحن بصورة ملحوظة. وتشير التقديرات إلى أن متوسط مبيعات بعض المحال قد يتراوح بين 500 ألف و600 ألف ريال سعودي خلال ثلاثة أشهر في الأوقات العادية. أما في رمضان، فقد تصل الأرباح إلى ضعف هذا الرقم، مما يجعل هذا الشهر “خير وبركة” على قطاع بيع القهوة. تميل أسعار القهوة السعودية إلى الارتفاع تدريجياً، خاصةً في ظل تزايد الطلب المحلي في المواسم ذات الطابع الاجتماعي المكثف، مع ما يبدو أنه تراجع في وتيرة استيراد البن مقارنة بالسنوات الماضية.

تعكس الحركة النشطة في محال أسواق العويس مكانة القهوة السعودية في الحياة الاجتماعية؛ فهي تتجاوزونها كونها مجرد مشروب يومي لتصبح رمزاً للترحيب والكرم. وقبيل رمضان، تتحول هذه المحال إلى وجهة أساسية للأسر التي تتأهب لشهر تزداد فيه اللقاءات العائلية وتتجدد فيه تقاليد الضيافة. وبين رائحة البن المحمّص وصوت آلات الطحن، تتقاطع العادات بالاقتصاد، وتستعيد القهوة حضورها المكثف بوصفها جزءاً أصيلاً من تفاصيل الحياة الرمضانية في السعودية.

ماذا بعد؟

مع نهاية شهر رمضان، ستعود وتيرة العمل في محامص القهوة إلى طبيعتها تدريجياً، ولكن يبقى السؤال حول استدامة ارتفاع الطلب المحلي وتأثيره على أسعار واستيراد البن على المدى الطويل. يبقى المشهد الاقتصادي والتنظيمي لقطاع القهوة، خاصةً فيما يتعلق بالاستيراد والأسعار، أمراً يتطلب المتابعة.