في خضم قرن التنوير، شهدت فرنسا صراعًا فكريًا حادًا حول الدين، انقسم فيه المثقفون بين مؤيدي “الفلاسفة” و”الأصوليين”. وعلى الرغم من أن أفكار الأصوليين كانت الأكثر رسوخًا وشعبية، إلا أن تأويل الفيلسوف جان جاك روسو للدين المسيحي، والذي وُصف بأنه “أخطر من تأويل فولتير”، شكل تحديًا جذريًا للمفاهيم الدينية السائدة وقتها، وما زالت أصداء هذه المواجهة الفكرية تلقي بظلالها حتى يومنا هذا.
جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية
في عام 1762، اندلعت عاصفة فكرية ودينية بعد نشر جان جاك روسو لكتابه حول التربية والدين. وقد أثارت أفكاره غضب الكنيسة، حيث أصدر مطران باريس، كريستوف دو بومون، بيانًا أدانه فيه بشدة واصفًا كتابه بأنه مليء بالكفر والهرطقة والزندقة، ويهدد بزعزعة أركان الدين المسيحي. إلا أن روسو نفسه رد بأن إيمانه مستمد من تعاليم الإنجيل والعقل والمنطق، وليس من تفسيرات الكهنة والأصوليين.
ويؤكد المقال أن أفكار روسو لم تشكل خطرًا على الدين بحد ذاته، بل على الأصولية الدينية، مشيرًا إلى صعوبة التفريق بينهما في عصره وحتى في الأزمان المعاصرة، وخاصة في العالم العربي. وقد رد روسو على المطران بالتأكيد على إيمانه العميق بتعاليم الإنجيل، مستندًا إلى العقل والمنطق، وليس إلى الخرافات والتعصبات.
ويُروى أن فولتير، لدى قراءته لنص روسو عن الدين، صرخ معبرًا عن إعجابه الشديد، بل وشعر بالغيرة والحسد، مما يعكس طبيعة التنافس الفكري بين المثقفين. ويقارن المقال هذا التنافس بما يحدث بين المثقفين العرب، حيث قلة الاعتراف بجهود الآخرين.
يُفسر الصراع بأن الأصوليين يقدمون صورة متجهمة وتكفيرية للدين، بينما يقدم الفلاسفة صورة متسامحة ومتنورة. لقد اهتم جان جاك روسو بجوهر الدين، الذي يتمثل في الإيمان بالله، والعمل الصالح، ومكارم الأخلاق، والشفقة على المحتاجين، ويرى أن هذا الجوهر يتجسد في عبارة “الدين المعاملة”. فمن يحسن معاملته مع الآخرين، يكون هو المتدين الحقيقي، بغض النظر عن أدائه للشعائر. وفي المقابل، فإن الغشاش في التعامل لا ينتمي للدين، حتى لو كان يؤدي العبادات بانتظام.
يطرح الفلاسفة سؤالًا محوريًا: هل أنت مع الدين أم ضده؟ ويجيبون بأن المسألة الأساسية هي ما إذا كنت مع الأصولية الطائفية التكفيرية التي تؤدي إلى الفتن والمذابح، أم لا. وهذا هو السؤال الجوهري، بينما التفاصيل الأخرى تأتي بعده.
بعد نشر كتابه، تعرض روسو لملاحقات شديدة، مما اضطره إلى الهرب من فرنسا تحت جنح الظلام، بعد أن أنقذه صديقه المارشال دو لوكسمبورغ. وفي سويسرا، شعر بأنه قد نجا، وقبل “أرض الحرية” معبرًا عن ارتياحه. لكن حتى في جنيف، تم حرق كتبه، مما دفعه إلى الفرار إلى إنجلترا، التي كانت تُعد أكثر البلدان تسامحًا واستنارة في ذلك الوقت.
وصفت فترة إقامته في إنجلترا بأنها عصيبة، حيث شعر بأنه ضحية “مؤامرة جهنمية” لا تزال تطارده. وكان يحظى بحماية سرية من أمير فرنسي ليبرالي، إلا أن وضعه أصبح حرجًا جدًا، ونصحه الأمير بالاختباء لتجنب الخطر.
وهكذا، اختفى جان جاك روسو عن الأنظار، وغير اسمه وهيئته، متعهدًا بعدم الكتابة مجددًا. يعتبر هذا الاختفاء برهانًا على شراسة الصراع بين الأفكار الجديدة والقديمة، وتحقيق المفهوم الأنوي الجديد للدين المسيحي، الذي يتسم بالعقلانية واللاطائفية واللاتكفير، لم يأتِ إلا بعد معاناة شديدة.
بعد وفاته عام 1778، قُبر في ضواحي باريس، وزاره العديد من الشخصيات الهامة، بما فيهم الملك لويس السادس عشر وماري أنطوانيت، وسط تصفيق الشعب. كما زار قبره نابليون بونابرت، الذي اعترف بأنه تلميذ لروسو، وعلق قائلاً: “كان من الأفضل من أجل راحة فرنسا لو أن هذا الرجل لم يوجد قط”. وعندما سُئل عن السبب، أوضح أن روسو هو من مهد للثورة الفرنسية وأشعلها.
ويختتم المقال بتساؤل نابليون عن ما إذا كانت البشرية قد تستفيد من عدم وجوده هو وروسو، مشيرًا إلى أن المستقبل وحده كفيل بالإجابة على ذلك.




























