حلُّ لغز عمره 11 ألف عام: أقدم «إنسان كهوف» في شمال إنجلترا ليس رجلاً

حل لغز عمره 11 ألف عام: أقدم “إنسان كهوف” في شمال إنجلترا ليس رجلاً

في كشف أثري هام، تبين أن أقدم بقايا بشرية تم العثور عليها في شمال إنجلترا، والتي يعود تاريخها إلى حوالي 11 ألف عام، تعود في الواقع إلى طفلة صغيرة وليس رجلاً كما كان يُعتقد سابقًا. هذا الاكتشاف، الذي تم في مقاطعة كمبريا، يعيد تشكيل فهمنا للاستيطان البشري المبكر في المنطقة خلال العصر الحجري الوسيط.

أظهرت تحليلات الحمض النووي الحديثة أن الرفات، التي تم اكتشافها في كهف “هينينغ وود بون”، تخص طفلة في عمر يتراوح بين عامين ونصف وثلاثة أعوام ونصف عند وفاتها. تم العثور على جثمان الطفلة، التي أطلق عليها اسم “أوسيك لاس” تكريمًا للهجة المحلية، مدفوناً بالكامل ومعروضات من الأصداف، مما يشير إلى طقوس دفن متعمدة.

اكتشاف أثري يسلط الضوء على حياة العصر الحجري الوسيط

يهدف هذا الكشف الجديد إلى تقديم فهم أعمق لمجتمعات العصر الحجري الوسيط في شمال بريطانيا. قبل هذا الاكتشاف، كان أقدم “شمالي” معروف اكتُشف عام 2013 في موقع دفن يعود إلى 10 آلاف عام. هذا الاكتشاف الجديد، “أوسيك لاس”، يعود تاريخه إلى حوالي 11 ألف عام، ويُعد أحد أقدم الشواهد المعروفة على النشاط البشري في بريطانيا بعد انحسار الصفائح الجليدية.

وقد أشار العلماء إلى أن هذه الجماعات كانت تعيش في الغابات وتعتمد على مصادر متنوعة للغذاء، بما في ذلك النباتات البرية والبندق واللحوم. كما يعتقدون أن لديهم نظرة روحية للطبيعة، مما قد يفسر اختيارهم لدفن موتاهم في الكهوف، والتي ربما اعتبروها بوابات إلى عالم آخر.

تحليل الحمض النووي يعيد كتابة التاريخ

بدأت القصة في عام 2023 عندما اكتشف علماء آثار أقدم بقايا بشرية في شمال بريطانيا في كهف “هينينغ وود بون”. الآن، نجح فريق بقيادة جامعة لانكشاير في استخراج حمض نووي كافٍ لتحديد جنس وعمر الطفلة بدقة غير مسبوقة لرفات من هذه الحقبة. هذا التقدم التكنولوجي مكن الباحثين من الحصول على معلومات تفصيلية حول هوية “أوسيك لاس” وظروف وفاتها ودفنها.

وأكد الفريق أن تأريخ الحليّ التي عُثر عليها في الموقع، وبينها سن غزال مثقوبة وخرز إضافي، يتطابق مع الإطار الزمني لرفات الطفلة، مما يعزز فرضية أنها تعود إلى دفن متعمد وليس ترسّبًا عرضيًا. بالإضافة إلى “أوسيك لاس”، تم اكتشاف رفات ثمانية ذكور أخرى في الكهف، تعود إلى ثلاث فترات مختلفة من عصور ما قبل التاريخ، بما في ذلك العصر البرونزي المبكر والعصر الحجري الحديث المبكر.

فهم أعمق للبنية الاجتماعية والروحية

يشير الدكتور ريك بيترسون، أحد الباحثين الرئيسيين، إلى أن مجتمعات العصر الحجري الوسيط كانوا يشبهون الإنسان الحديث في هيئتهم وقدراتهم الكلامية. وعلى الرغم من عدم معرفة اللغة التي كانوا يتحدثونها، إلا أنه من المرجح أنهم كانوا يقطعون مسافات طويلة ويتفاعلون مع مجموعات وقبائل متعددة. كانت بنية هذه المجتمعات أفقية، مع قسمة واضحة للأدوار بين الأفراد.

وأضاف بيترسون أن العثور على “أوسيك لاس” كأنثى يغير المنظور السابق حول الجنس الذي كان يمارس الطقوس ويحتل المكانة الأبرز في هذه الاكتشافات المبكرة. ويتوقع الباحثون أن مجتمعات العصر الحجري الوسيط كانت تعيش في مجموعات صغيرة تضم ما يصل إلى 10 عائلات، دون وجود قائد مركزي، ولكن بتقسيم صارم للمهام.

نُشرت نتائج البحث في دورية “وقائع جمعية ما قبل التاريخ” ونقلتها صحيفة “الإندبندنت”.

ما بعد الكشف: يتطلع الباحثون إلى إجراء مزيد من الأبحاث لتحسين فهمهم لمجتمعات العصر الحجري الوسيط في بريطانيا. ومع تطور تقنيات تحليل الحمض النووي، قد تكشف اكتشافات مستقبلية عن المزيد من التفاصيل حول حياة هؤلاء الأسلاف الأوائل. ولا تزال هناك حاجة لمزيد من الدراسات لفهم نطاق تفاعل هذه المجموعات مع مجموعات أخرى في أوروبا.