لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

تُظهر دراسة نفسية حديثة أن سرعة تعافي الأفراد من الصدمات والأحداث القاسية لا ترتبط فقط بحجم التجربة، بل بشكل أساسي بالمعتقدات الأساسية التي يحملونها عن العالم. تشير النتائج إلى أن الأفراد الذين يؤمنون بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد، يظهرون مستويات أقل من القلق والاكتئاب عند مواجهة المرض أو العنف أو الخسارة، مما يسلط الضوء على دور “المعتقدات الجوهرية” في بناء الصمود النفسي.

لطالما ناقش علماء النفس الفروق الفردية في الاستجابة للشدائد، ومن بين التفسيرات المطروحة تبرز “المعتقدات الأساسية عن العالم”. هذه المعتقدات تمثل توقعات عميقة وعامة حول طبيعة العالم، وتشمل تصورات حول ما إذا كان العالم آمناً أم خطيراً، جميلاً أم قبيحاً، وغيرها الكثير.

هل المعتقدات تشكل استجابتنا أم العكس؟

كان الاعتقاد السائد لفترة أن التجارب القاسية هي التي تُشكل معتقدات سلبية عن العالم، وأن الصدمات تحطم المعتقدات الإيجابية، مما يزيد من القلق والاكتئاب. إلا أن مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، تقترح مساراً مختلفاً؛ وهو أن المعتقدات التي نحملها مسبقاً قد تكون هي التي تحدد طريقة استجابتنا للأحداث.

تعمل هذه المعتقدات كمرشحات نفسية تشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطيراً يميلون إلى المبالغة في تقدير التهديدات مقارنة بالآخرين. كما أن من ينظرون إلى العالم بنظرة سلبية يفسرون تصرفات شركائهم العاطفيين بشكل أقل إيجابية.

لاختبار العلاقة بين المعتقدات السابقة والاستجابة للأحداث الصعبة، أجريت دراستان تناولتا أنواعاً مختلفة من الشدائد: شملت الدراسة الأولى 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة (مرضى سرطان، وناجون منه، وأشخاص مصابون بالتليف الكيسي)، وقورنوا بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. أما الدراسة الثانية، فتناولت طلاباً في جامعة تعرضوا لحادثة إطلاق نار داخل الحرم الجامعي.

النتائج: ثبات المعتقدات وتنبؤها بالضيق النفسي

أظهرت النتائج أن معتقدات الطلاب عن العالم ظلت مستقرة إلى حد كبير حتى بعد حادثة إطلاق النار. كما لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن الأصحاء، بينما أبدى مرضى السرطان النشطون معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر بعد مرحلة التعافي. تشير هذه الملاحظات إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يعتمد بالضرورة على تغيير جذري في المعتقدات الأساسية.

الأكثر أهمية، أن المعتقدات الأساسية التي حملها الأفراد مسبقاً ارتبطت بشكل قوي بمستوى الضيق النفسي الذي شعروا به. لم يكن الأمر متعلقاً فقط برؤية العالم “جيداً” أو “سيئاً”، بل كان هناك محددات أكثر دقة.

برزت ثلاثة معتقدات بشكل خاص في الدراسة الأولى: الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وأن العالم عادل، وأن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء. الأفراد الذين تبنوا هذه المعتقدات أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، وبدا بعضهم في حالة أفضل من أشخاص لم يمروا بمرض على الإطلاق.

في دراسة الحرم الجامعي، برز الاعتقاد بأن العالم آمن كعامل حاسم. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في التوتر بعد الحادثة، بينما لم يسجل من يؤمنون بأمان العالم تغيراً ملحوظاً في مستويات الضيق.

لماذا هذه المعتقدات تحديداً؟

تقترح الدراسة أن هذه المعتقدات قد تساعد عبر three آليات محتملة: إما من خلال القدرة على الإصلاح (سواء من قبل الفرد أو الآخرين، وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى قابلاً للتحسين)، أو من خلال التدخلات الخارجية (مثل العدالة الكونية، وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً)، أو عبر التحسن الطبيعي بمرور الوقت (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً للتجدد).

هل يمكن تغيير هذه المعتقدات؟

رغم أن المعتقدات الأساسية تميل إلى الثبات، إلا أن الأبحاث تشير إلى إمكانية تبدلها في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. يطرح ذلك فكرة أن تنمية بعض هذه المعتقدات قد تعزز الصمود النفسي، لكن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.

في الختام، المرض والخوف والخسارة والصدمات هي جزء لا يتجزأ من الحياة. وتشير النتائج إلى نهج جديد للاستعداد لهذه التحديات: تبني نظرة للعالم على أنه قابل للتحسين، وعادل، وميال بطبيعته إلى التجدد.

اقرأ أيضاً

وفاة من نحب… ماذا يحدث لجسمك وعقلك وكيف تتعافى؟

أسوأ من التدخين… الضغط المالي يسرع شيخوخة قلبك

.