لم تعد مختبئة… العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

أعلن علماء عن تطور علمي جديد يمكّنهم من تحديد ورسم خرائط دقيقة لمناطق انتشار العقارب السامة، مما يمثل خطوة هامة في الجهود المبذولة لمواجهة التهديدات الصحية التي تشكّلها هذه الحشرات. وقد طور باحثون نهجاً جديداً يستخدم تحليل الظروف البيئية للتنبؤ بمواقع تواجد العقارب وتقييم احتمالية وقوع لدغات، وهو ما سيساعد الجهات المعنية في زيادة الحذر واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة، خاصة في المناطق الاستوائية حول العالم.

اشتملت الدراسة، التي أجراها فريق بحثي مشترك من جامعتي جالواي في أيرلندا وابن زهر في المغرب، على دراسات ميدانية ونمذجة حاسوبية لتحديد مناطق تمركز أخطر فصائل العقارب وأسباب انتشارها الجغرافي. وقد كشفت النتائج عن نمط واضح لانتشار هذه العقارب، حيث أشارت إلى أن نوع التربة يلعب دوراً قوياً في انتشارها، بينما تؤثر درجات الحرارة والرطوبة بشكل رئيسي على أنواع معينة منها.

تحديد بؤر العقارب السامة بدقة

يشكل تحديد أماكن تجمع العقارب السامة أحد التحديات البيئية والصحية الكبرى، خاصة في المناطق التي تنتشر فيها هذه الحشرات بكثرة. وقد سلطت الدراسة التي نُشرت في دورية “اتصالات بحوث البيئة” الضوء على أهمية العوامل البيئية في تشكيل هذه البؤر. وأوضح الباحثون أن بعض فصائل العقارب تمتلك قدرة تأقلم عالية تسمح لها بالانتشار في نطاقات واسعة، بينما تقتصر فصائل أخرى على مناطق جغرافية محدودة، مما يخلق بؤراً خطرة تتزايد فيها احتمالية التعرض للدغات.

ركزت الدراسة بشكل خاص على مناطق وسط المغرب، التي تُعد من البؤر المعروفة لانتشار العقارب الخطرة عالمياً. ويهدف هذا التركيز إلى تحسين إجراءات الوقاية وتطوير أدوات أكثر فعالية لتشخيص هذه المشكلة وابتكار أمصال أفضل لعلاج اللدغات. وقد صرح مايكل دوغون، رئيس مختبر علاج السموم بجامعة غالواي ورئيس فريق الدراسة، بأن هذه النتائج يمكن أن تساهم في إنقاذ الأرواح من خلال تمكين السلطات الصحية من تنظيم حملات توعية وتدريب الكوادر الطبية وتنفيذ إجراءات وقائية تستهدف المناطق الأكثر عرضة للخطر.

التهديد الصحي للعقارب وآليات التنبؤ

يشكل خطر لدغات العقارب تهديداً صحياً يتم تجاهله غالباً، لا سيما في المناطق المدارية وشبه الاستوائية، حيث يتعرض أكثر من مليوني شخص للدغاتها سنوياً. وعلى الرغم من أن معظم اللدغات تقتصر آثارها على الألم والتورم، إلا أن لدغات بعض الفصائل قد تؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة أو الوفاة، خاصة بين الأطفال وكبار السن. وتشير الإحصاءات إلى أن حوالي 3000 طفل حول العالم يموتون سنوياً بسبب لدغات العقارب.

تكمن صعوبة العلاج أحياناً في عدم القدرة على تحديد نوع العقرب الذي قام باللدغ، مما يؤخر تقديم العلاج المناسب. للتغلب على هذه العقبة، طبق الباحثون نموذجاً حاسوبياً مبتكراً يُعرف باسم “الانتروبيا القصوى” (Maximum Entropy). يتيح هذا النموذج التنبؤ بالمناطق التي تتزايد فيها احتمالية وجود العقارب والظروف البيئية المفضلة لكل فصيلة، وذلك من خلال تحليل قواعد بيانات حول تركيب التربة، درجات الحرارة، والظروف البيئية المختلفة.

أثبتت الدراسة إمكانية تطبيق هذا النهج لتحديد الأماكن المحتملة لانتشار العقارب في دول أخرى غير المغرب، وهو أمر ذو أهمية قصوى للدول الواقعة في المناطق المدارية التي تفتقر إلى سجلات مفصلة عن أنواع العقارب. شارك في هذا المشروع الدولي التعاوني علماء وباحثون من مختلف التخصصات، مما يعكس أهمية التعاون متعدد التخصصات في معالجة هذه المشكلة الصحية العالمية.

أكد الباحث فؤاد صالحي من جامعتي ابن زهر في أغادير، أحد المشاركين في الدراسة، أن البحث يثبت كيف يمكن للبيانات المتعلقة بالتنوع البيئي أن تدعم صياغة سياسات الصحة العامة. ويهدف هذا المشروع إلى تطوير أدوات جديدة للوقاية من خطر اللدغات وتشخيصها وعلاجها حول العالم، ممّا يتطلب تعاون فرق متعددة التخصصات. يأمل الباحثون أن يساهم هذا البحث في دعم استراتيجيات الوقاية وتحسين الاستعداد الطبي، والحد من عبء لدغات العقارب.

الخطوات المستقبلية

تتجه الأنظار الآن نحو تفعيل هذه النتائج في برامج الصحة العامة، مع الأخذ في الاعتبار أن المعرفة المتعلقة بالسموم والوقاية والعلاج لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير. وتطرح حداثة هذه التقنيات بعض التحديات، مثل الحاجة إلى نشر هذه النماذج وتكييفها مع الظروف البيئية المتغيرة، فضلاً عن ضمان وصول المعلومات والدعم للمجتمعات الأكثر عرضة لهذه المخاطر.