ودعت مصر اليوم الأربعاء، قامة إعلامية بارزة، “شيخ الإذاعيين” فهمي عمر، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 98 عامًا. ترك فهمي عمر بصمة لا تُمحى في تاريخ الإذاعة المصرية، مسيرته الحافلة امتدت لنحو نصف قرن، وشغل خلالها منصب رئيس الإذاعة المصرية، وكان شاهدًا على أحداث تاريخية محورية، منها إلقاء الرئيس الراحل محمد أنور السادات أول بيان لثورة يوليو 1952، وقدم بصوته المميز بعض حفلات كوكب الشرق أم كلثوم.
وفاة شيخ الإذاعيين فهمي عمر: خسارة كبرى للإعلام المصري
نعى مجلس الوزراء المصري، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، “شيخ الإذاعيين” فهمي عمر، معتبرًا إياه أحد أعمدة الإذاعة المصرية وصوت ثورة يوليو. وأكد المجلس أن الفقيد ساهم ببراز في تأسيس أسس مهنية راسخة بالإذاعة، وتلمذ على يديه أجيال متعاقبة من المذيعين. كما شملت التعازي المجلس الأعلى للإعلام، والنادي الأهلي، والاتحاد المصري لكرة القدم، ونادي الزمالك، عرفانًا بإسهاماته الكبيرة في المجال الرياضي، حيث قدم العديد من البرامج الرياضية وشغل عضوية مجلس إدارة نادي الزمالك لدورتين.
تميز فهمي عمر بتقديم مجموعة واسعة من البرامج الإذاعية التي علقت في أذهان المستمعين، من أبرزها برنامج “ساعة لقلبك” الذي لعب دورًا هامًا في اكتشاف نجوم الكوميديا، وبرنامج “مجلة الهواء” الذي صُنف كأحد أشهر البرامج الإذاعية. كما وثق بصوته ثلاث حفلات لسيدة الغناء العربي أم كلثوم ضمن فعاليات “أضواء المدينة”. لم يقتصر عطاؤه على البرامج الفنية، بل امتد ليشمل المجال الرياضي، حيث قدم تحليلاته المميزة لأولى مباريات الدوري المصري، وكان له دور أساسي في تأسيس إذاعة الشباب والرياضة.
شهد الراحل فهمي عمر العديد من الأحداث الرياضية العالمية، بما في ذلك الدورات الأولمبية التي واظب على حضورها منذ ستينات القرن الماضي وحتى الثمانينات، وكان دائمًا ما ينادي بأهمية استضافة مصر لمثل هذه البطولات الكبرى.
ينحدر فهمي عمر من صعيد مصر، حيث وُلد بمحافظة قنا في 6 مارس (آذار) 1928. بعد إنهاء دراسته بكلية الحقوق، اجتاز اختبارات الإذاعة المصرية، وانطلق صوته عبر الأثير بقول “هنا القاهرة” عام 1951. كان شاهدًا مباشرًا على قيام ثورة يوليو 1952، حيث فتح بنفسه ميكروفون الإذاعة أمام الضابط محمد أنور السادات ليلقي بيان الثورة الأول. نشأت بينهما علاقة صداقة قوية، وكان السادات يمازحه بلقب “المذيع الصعيدي”، وهو اللقب الذي اشتهر به لاحقًا.
تولى فهمي عمر رئاسة الإذاعة المصرية لمدة ست سنوات، في الفترة ما بين 1982 و1988. وبعد تقاعده، انخرط في العمل السياسي، حيث ترشح لعضوية البرلمان المصري وظل ممثلاً له حتى عام 2002.
أثنى الإذاعي محمد فؤاد على مسيرة فهمي عمر، مؤكدًا أن له فضلًا كبيرًا على أجيال عديدة من الإذاعيين. وفي تصريحات خاصة لـ”الشرق الأوسط”، أعرب فؤاد عن حظه بالعمل في الإذاعة خلال فترة رئاسة عمر، مشيرًا إلى أنه تعلم منه الكثير، ووصف الراحل بأنه كان يتمتع بإنسانية عالية في عمله، ويقدر الإنجازات المتميزة ويشيد بها أمام الجميع، مع حرصه على متابعة الأداء وتقييمه بشكل مباشر.
وأضاف فؤاد أن خريطة البرامج خلال فترة رئاسة فهمي عمر كانت تزخر بأسماء لامعة من كبار الفنانين والأدباء والعلماء، مقدمة برامج مهمة ميزت تلك الحقبة. وقبل رحيله بشهرين، كرمت الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة أحمد المسلماني الراحل تقديرًا لعطائه الثمين للإذاعة المصرية.
يُتوقع أن تستمر حالة الحداد والتأبين في الأوساط الإعلامية المصرية، مع استمرار تسليط الضوء على إرث فهمي عمر وتأثيره في تشكيل الهوية الإذاعية العربية. يبقى السؤال حول كيفية الحفاظ على هذا الإرث ونقله للأجيال القادمة، ومدى استيعاب الأجيال الجديدة لفلسفته المهنية الفريدة في عالم الميكروفون.































