مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

في جدة التاريخية، يتحول المساء الرمضاني إلى طقس اجتماعي فريد، حيث تفتح المقاهي أبوابها بعد صلاة التراويح، لتصبح نقاط التقاء نابضة بالحياة. هذه المقاهي، المتمركزة بين برحة نصيف وشارع الذهب، لا تقدم مجرد قهوة، بل تجربة ثقافية واجتماعية غنية، تجمع بين عبق التاريخ وحداثة الجيل الجديد.

تُعيد مقاهي جدة التاريخية تعريف مفهوم المقهى العصري ضمن فضاءات تراثية عريقة، محافظةً على روح المكان بينما تقدم قراءات معاصرة لتجاربها. الأجواء المسائية خلال شهر رمضان المبارك تشهد إقبالاً ملحوظاً، حيث يسعى الزوار للاستمتاع بقهوتهم في أحضان التاريخ، وتحويل زيارتهم إلى رحلة اكتشاف تفاصيل المدينة القديمة.


مقاهي جدة التاريخية في رمضان: تجربة اجتماعية تجمع الماضي بالحاضر

تشهد جدة التاريخية، مع حلول شهر رمضان، تحولاً ملحوظاً في طابعها المسائي، إذ تكتسي الأزقة القديمة بعبق روحاني واجتماعي مميز. بعد الإفطار وأداء صلاة التراويح، تبدأ أبواب المقاهي التاريخية في “البلد” بالانفتاح على إيقاع مختلف، متحولةً إلى وجهات أساسية للجلسات الاجتماعية. لا يقتصر هدف الزوار على تناول القهوة، بل يمتد ليشمل الانغماس في تجربة تراثية متكاملة، يستشعرون فيها عمق المكان وتاريخه.

يبرز مقهى “ميناء”، الواقع خلف بيت نصيف مباشرة، كنموذج للمشروعات التي تسعى للمساهمة في الحفاظ على هوية جدة التاريخية وإعادة إحيائها. يصف مالكه، محمد جوجو، المقهى بأنه محاولة لإعادة صياغة مفهوم المقهى والمحمصة ضمن بيئة تاريخية، مؤكداً على أهمية التقاء الزمن الماضي بالحاضر في تجربة واحدة، مع ضرورة احترام التاريخ العريق للمكان.

يرتكز اختيار الموقع الاستراتيجي لمقهى “ميناء” على علاقة جوجو الشخصية بجدة التاريخية، حيث قضى عاماً في دراسة الهندسة الإسلامية والحرف التقليدية في “البلد”، مطلعاً على تفاصيل الطرز المعمارية الأصيلة. يؤمن جوجو بأن “أصل جدة هو البلد”، وأن تأسيس مشروعه في هذا الموقع يمنحه جذوراً عميقة. لا يقتصر تركيز المقهى على جودة القهوة المختصة، وإنما يمتد ليشمل التجربة الكلية، حيث تكتسب القهوة، وخاصة البن اليمني، معنى خاصاً في حارة اليمن، وتصبح الخدمة والتواصل مع الزوار عنصراً أساسياً في هوية المكان.

يشير جوجو إلى أن رواد المقهى لا يأتون لشراء سريع، بل للعيش داخل المكان. اسم “ميناء” يعكس هذا المفهوم، فهو نقطة ترسو عندها الرحلات قبل أن تنطلق من جديد، وغالباً ما يبدأ الزوار جولاتهم من المقهى، ثم يعودون إليه طلباً للتوجيهات لاستكشاف باقي الأزقة والمعالم، ليصبح المكان محوراً لتجربة “البلد” بأكملها. يتميز المقهى بتعاونه مع حرفيين محليين في تصميم عناصره، مثل الإضاءة المصنوعة يدوياً والبلاطات المزخرفة، لتعزيز العلاقة بين المشروع والبيئة الحرفية المحيطة.

خلال شهر رمضان، يطور مقهى “ميناء” منتجات مستوحاة من الهوية المحلية، مثل الآيس كريم بنكهات عربية ومشروبات رمضانية، استمراراً لفكرة مزج التجربة المعاصرة بروح المكان التاريخي.

رمضان: موسم المقاهي الأكبر في جدة التاريخية

يعتبر القائمون على المقاهي في جدة التاريخية أن شهر رمضان يمثل ذروة الحضور للمنطقة، حيث تتحول الأزقة إلى فضاء اجتماعي مفتوح يستقطب آلاف الزوار، معظمهم من داخل المملكة، بحثاً عن تجربة مميزة لليالي الشهر الفضيل.

على شارع الذهب، أحد أكثر شوارع “البلد” حيوية، افتتح مقهى “ميغوستا”، الذي انطلق بشكل فعلي في منتصف شهر رمضان الماضي. يتميز المقهى بتصميمه الريفي البسيط داخل بيئة تاريخية، ويقدم القهوة والمشروبات الحديثة مع جلسات داخلية وخارجية. يؤكد العاملون فيه أن رمضان يعد موسماً رئيسياً للسياحة المحلية، حيث يبحث الزوار عن أماكن تمنحهم تجربة المكان بقدر ما تقدم لهم المشروبات، مما يشجع المقاهي على إضافة منتجات موسمية ونكهات مرتبطة بالشهر الفضيل.

أمام بيت نصيف، يواصل مقهى “هولا لوبز” حضوره، حيث اختار مالكه، أحمد أبو طه، الموقع إيماناً منه بأن “البلد” توفر البيئة المثالية لخلق تجربة تجمع بين التاريخ والحياة المعاصرة. في رمضان، يتغير طابع المقهى بإضافة منتجات مستوحاة من تاريخ جدة بنكهات حديثة، بهدف منح الزوار تجربة متجددة تحترم روح المكان. يبحث رواد المقاهي عن الأجواء الشعبية والنكهات المرتبطة بالذاكرة، إلى جانب أسلوب الترحيب الذي يعكس كرم أهل جدة قديماً.

يتم تزيين المكان لاستقبال الزوار بطريقة تمنحهم شعور المشاركة في أجواء الشهر، مع الحفاظ على الطابع التاريخي عبر تطوير المنتجات بما يتناسب مع هوية الموقع. يصف أبو طه ليالي رمضان في المقهى بأنها “ليالٍ تاريخية بنكهة حضارية”.

المقاهي: قلب المشهد الليلي في جدة التاريخية

خلال الشهر الفضيل، لا تقتصر وظيفة مقاهي جدة التاريخية على كونها أماكن للجلوس، بل تصبح نقاط تجمع رئيسية ومحطات انطلاق لاكتشاف المدينة القديمة. يجلس الزوار لساعات، يتبادلون الأحاديث أو يخططون لجولاتهم القادمة، بينما تتحول القهوة إلى سبب للبقاء لفترة أطول. في كل موسم رمضاني، تعيد هذه المقاهي رسم علاقتها بالمدينة، مولفةً بين الماضي الذي يحتفظ به المكان والحاضر الذي يصنعه رواده.


ماذا بعد؟
تواصل مقاهي جدة التاريخية سعيها لتعزيز التجربة الثقافية والاجتماعية لزوارها، لا سيما خلال المواسم الهامة كشهر رمضان. يبقى التحدي مستمراً في الموازنة بين التحديث والتطوير والحفاظ على الأصالة التاريخية للمكان، مع استمرار التغييرات الموسمية في المنتجات والفعاليات.