غالباً ما يرتبط مفهوم الذكاء بالسرعة والكفاءة العقلية، حيث يميل الناس إلى تصوّر الشخص الذكي كشخص يتحدث بسرعة، ويملك آراءً حاسمة، ويستوعب الأمور بسهولة. إلا أن الواقع يشير إلى أن الأشخاص ذوي الذكاء العالي قد لا يكونون دائماً الأسرع أو الأكثر هدوءاً في اتخاذ قراراتهم، بل قد تكون عقولهم أكثر انشغالاً، وأبطأ، وأكثر ميلاً للتفكير المتأني، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى ما يبدو وكأنه تردد أو هوس.
أغرب سمات الأذكياء: ما وراء المظاهر
وفقاً لعلوم النفس، غالباً ما يُساء فهم الأشخاص ذوي القدرات الإدراكية العالية بسبب أن عاداتهم الذهنية لا تتوافق دائماً مع التصورات الشائعة للذكاء. هذه العادات، التي قد تُفسر أحياناً على أنها إفراط في التفكير أو تردد، هي في الواقع مؤشرات على معالجة معرفية أعمق وقدرة على التعامل مع تعقيدات الحياة.
1- إعادة المحادثات ذهنياً واستكشاف المستقبل
يعتقد الكثيرون أن إعادة التفكير المستمر في المحادثات السابقة أو تصور محادثات مستقبلية هو علامة على القلق أو الهوس، وهو أمر وارد. ومع ذلك، أشارت دراسات إلى أن هذه الممارسة الذهنية هي أيضاً نتيجة متقدمة للخيال العقلي. يمتلك الأشخاص ذوو الذكاء العالي القدرة على معالجة سيناريوهات “ماذا لو” متعددة في آن واحد، مما يساعدهم على استشراف المستقبل، وتحديد المخاطر الكامنة، وتخطيط خطواتهم بفعالية.
تتطلب هذه القدرة ذاكرة عاملة قوية، حيث لا يكرر الدماغ الأفكار دون هدف، بل يختبر كل احتمال لتقييم نتائجه. قد يفسر ذلك شعور هؤلاء الأشخاص بالغرق في أفكارهم حتى أثناء وحدتهم، فعقولهم تعالج التفاعلات الاجتماعية وتدرس عواقب كل خيار محتمل. يمكن التمييز بين هذا التفكير المرن والاستكشافي، الذي يغير وجهات النظر ويولد افتراضات جديدة، وبين الهوس النفسي غير المثمر الذي يتسم بالتكرار والعاطفية.
2- القدرة على تحمل الأفكار المتناقضة
يشعر معظم الناس بعدم الارتياح تجاه المفاهيم المتناقضة، ويعتبرونها مشاكل تتطلب حلاً فورياً، وغالباً ما يتسارعون لاتخاذ موقف. على النقيض من ذلك، يمكن للأشخاص ذوي القدرة الإدراكية العالية تحمل هذا الانزعاج لفترات أطول. فهم قادرون على تقييم وجهات نظر متعددة ومتعارضة في نفس الوقت دون القفز إلى استنتاجات سريعة.
هذه القدرة، التي قد تبدو مربكة للآخرين وتجعل الشخص يبدو مراوغاً عندما يقول “أرى وجهة نظر كلا الجانبين”، تعكس مرونة معرفية عالية. وتشمل هذه المرونة القدرة على تحمل الغموض والتعامل مع المعلومات المعقدة دون الحاجة إلى حلول سريعة. دراسة أجريت عام 2023 أظهرت أن الأشخاص ذوي معدلات الذكاء المرتفع لديهم حاجة أقل للإغلاق المعرفي، ويظهرون تسامحاً أكبر مع الغموض، حيث لا يعتبرونه تهديداً بل جزءاً من أنظمتهم المفاهيمية القادرة على معالجة التعقيد.
3- التفكير المتأني: السرعة ليست دائماً المؤشر
على الرغم من أن السرعة غالباً ما تُعتبر مؤشراً على الذكاء، إلا أن علم الإدراك يوضح أن السمة المميزة للذكاء العالي ليست السرعة بحد ذاتها، بل القدرة على التحكم في عملية التفكير. تفترض نظريات العمليات المزدوجة وجود نوعين من التفكير: سريع وبديهي، وآخر بطيء وتحليلي.
بينما يستخدم الجميع كلا النظامين، فإن الأشخاص الأذكياء أفضل في كبح الاستجابات التلقائية عندما يشعرون بأنها قد تكون مضللة. وقد أظهرت دراسة أجريت عام 2022 أن الأفراد ذوي الذكاء العالي يميلون إلى التوقف، ومراجعة استجاباتهم، والانخراط في التفكير المتعمد، لا سيما عند مواجهة مشاكل معقدة أو غير بديهية. هذا التوقف قد يُفسر خطأً على أنه تردد أو شك، ولكنه في الواقع يعكس عقلية دقيقة تقدر الدقة والمعنى على حساب السرعة.
إن فهم هذه السمات غير التقليدية للأشخاص الأذكياء يمكن أن يغير تصوراتنا حول الذكاء، ويساعدنا على تقدير عمق وتعقيد العمليات العقلية التي قد لا تكون واضحة للوهلة الأولى. يبقى التحدي في التمييز بين هذه القدرات الإيجابية وبين الحالات النفسية التي تتطلب دعماً متخصصاً.
































