شهد قطاع غزة ظهورًا مقلقًا للعصابات المسلحة منذ جوان 2024، متخذةً مسمّيات مثل “الجيش الشعبي” و”قوات مكافحة الإرهاب”. بدأت هذه الجماعات بسرقة المساعدات الإنسانية في جنوب القطاع، ما تسبب في قلق واسع النطاق بين السكان والفصائل الفلسطينية. وتعمل هذه العصابات المسلحة بتنسيق مع السلطات الإسرائيلية، ما يعقد المشهد الأمني والسياسي في غزة.
في 2024، أظهرت لقطات مصوّرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن هذه العصابات تحمل أسلحة، رغم قربها من القوات الإسرائيلية. بدأت سرقة المساعدات بالقرب من معبر كرم أبو سالم، وسرعان ما برز اسم ياسر أبو شباب كقائد لمجموعة من عشرات الأفراد الذين نفذوا هذه السرقات.
صعود العصابات المسلحة في غزة ودور ياسر أبو شباب
بعد تزايد سرقة المساعدات وبيعها في السوق السوداء، حاولت حماس استهداف أبو شباب وعصابته في 19 نوفمبر 2024، ما أسفر عن مقتل وإصابة نحو 20 منهم، ومقتل شقيق أبو شباب. تحولت هذه الحادثة إلى نقطة تحول لأبو شباب، الذي كان معتقلًا لدى حماس سابقًا بتهم جنائية قبل إطلاق سراحه في بداية الحرب. فر أبو شباب إلى مناطق السيطرة الإسرائيلية، وبدأ في تشكيل أول ميليشيا مسلحة.
وفقًا لمصدر ميداني، زود الجيش الإسرائيلي أبو شباب وأتباعه بالأسلحة التي استولى عليها من غزة. سرعان ما زاد عدد أفراد الجماعة إلى نحو 100 مسلح، وبدأت في تنفيذ عمليات أمنية لصالح الجيش الإسرائيلي، من ضمنها السيطرة على طرق المساعدات وتفتيشها. خلال هذه الفترة، ظهر أبو شباب وعناصره يرتدون زيًا عسكريًا عليه علم فلسطين وينظمون مرور الشاحنات والوفود الأجنبية.
على الرغم من ادعاءات أبو شباب على وسائل التواصل الاجتماعي بمهاجمة “حماس”، فإن مصادر متعددة تشير إلى أن أبو شباب لم تكن لديه ارتباطات رسمية مع إسرائيل، بل كان يعمل وفق أجندة ومصالح إسرائيلية بحماية منها. استخدمت حماس هذه المعلومات لتوجيه اتهامات بالعمالة والخيانة لصالح إسرائيل.
صراع النفوذ والاغتيالات
في 4 ديسمبر 2025، قُتل ياسر أبو شباب في ظروف غامضة، وتولى نائبه غسان الدهيني زعامة العصابة. بعد ذلك، بدأت عصابات مسلحة أخرى في الظهور، مثل عصابة حسام الأسطل في جنوب خان يونس وعصابة رامي حلس في شرق مدينة غزة. أظهرت هذه العصابات قدرة على تنفيذ عمليات أمنية خطيرة، مثل اغتيال ضابط الأمن الداخلي التابع لحماس أحمد زمزم في مخيم المغازي في ديسمبر 2025.
في يناير 2026، اغتالت عصابة الأسطل محمود الأسطل، مدير جهاز المباحث بشرطة حماس في خان يونس، ما دق جرس إنذار جديدًا لدى الفصائل الفلسطينية. وتفيد مصادر أمنية أن الأسطل وأبو نصيرة، وهما ضابطان سابقان في السلطة الفلسطينية، على علاقة ببعضهما، وأن هناك تنافسًا بين العصابات لإظهار ولاء أكبر لإسرائيل.
استدرجت عصابة أبو نصيرة عناصر من كتائب القسام إلى مدرسة في مخيم المغازي في 6 أبريل 2026، ما أدى إلى اشتباكات تدخلت فيها القوات الإسرائيلية، فسقط 8 من عناصر القسام ومدنيون آخرون. وتعمل الجماعات المسلحة في غزة على تنسيق خطواتها، ما أدى إلى وقوع عصابة الأسطل في كمين في خان يونس في 20 أبريل.
لم تتوقف حماس في المقابل عن توجيه ضربات لهذه العصابات، من خلال ملاحقة عناصرها وتنفيذ كمائن. وكشفت مصادر من حماس أن هذه العصابات تمتلك أسلحة مزودة بكواتم صوت، وصواريخ مضادة، وأسلحة قنص، وتتلقى تدريبات على استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة. أكد المصدر أن جميع الأسلحة إسرائيلية المصدر أو زودتها إسرائيل لعناصر العصابات.
إغراءات التجنيد والبديل السياسي
العصابات في غزة تستغل الحاجة المادية والظروف الاقتصادية الصعبة لتجنيد الشباب، خاصة الذين لا يملكون فرص عمل أو مستقبلًا واضحًا. إسرائيل تحاول من خلال السماح لوسائل إعلامها بإجراء مقابلات مع زعماء هذه العصابات تسويقهم كبديل لحكم حماس والسلطة الفلسطينية. لكن على الرغم من ضعف حماس، فإنها لا تزال متماسكة. خلال المفاوضات الأخيرة في القاهرة، أدرج تفكيك هذه العصابات شرطًا أساسيًا. وقد اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتقديم دعم لمجموعات مسلحة في غزة مناهضة لحماس بهدف إيجاد بدائل لإدارة القطاع مستقبلًا. ومع ذلك، يرى محللون أن هذه العصابات قد تشكل مشكلة أمنية لإسرائيل نفسها على المدى الطويل، حيث لا يملك قادتها مؤهلات سياسية أو أمنية، ومعظم سكان القطاع ينبذونهم.
































