أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

يشهد المشهد القضائي الليبي تعمّقًا جديدًا في انقساماته المستمرة، مع ظهور أزمة جديدة تُهدد بإرباك جهود توحيد المؤسسات. هذه أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»، وتضع مزيدًا من الضغط على عملية الانتقال السياسي الهشة في البلاد.

تتمحور الأزمة الأخيرة حول تعيينات قضائية مثيرة للجدل وصلاحيات الإشراف على الهيئات القضائية، مما أثار اعتراضات واسعة النطاق من أطراف متعددة داخل الجسم القضائي والسياسي. يعكس هذا التوتر الجاري صراعًا أوسع على السلطة والنفوذ في ليبيا.

أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي» وتُثير جدلاً دستوريًا

بدأت الأزمة الأخيرة في أواخر شهر مايو/أيار 2024، عندما أصدرت جهة تنفيذية في غرب ليبيا قرارات بتعيين عدد من رؤساء الهيئات القضائية، دون التشاور مع المجلس الأعلى للقضاء. اعتبر المجلس هذه القرارات تجاوزًا لصلاحياته الدستورية والقانونية، واصفًا إياها بأنها “خارجة عن الإطار القانوني”.

المجلس الأعلى للقضاء، بصفته أعلى سلطة قضائية في البلاد، أكد على حقه الأصيل في الإشراف على الشأن القضائي وتعيين وترقية القضاة. هذا الموقف أدى إلى اصطفاف قضائي واضح، حيث أيدت غالبية القضاة وأعضاء النيابة العامة موقف المجلس، محذرين من تسييس القضاء.

خلفية الانقسام ومحاولات توحيد «المؤسسات القضائية»

تاريخ الانقسام في القضاء الليبي ليس جديدًا، بل يعود إلى عام 2014، عندما تشظت مؤسسات الدولة بسبب الصراع السياسي والعسكري. أدى هذا الانقسام إلى ظهور هياكل قضائية متوازية في شرق وغرب البلاد، مما أثر سلبًا على استقلالية القضاء وقدرته على إنفاذ القانون.

على مدار السنوات الماضية، بذلت جهود محلية ودولية عديدة لتوحيد المؤسسات القضائية، بما في ذلك عقد لقاءات ومؤتمرات تهدف إلى رأب الصدع وإعادة هيكلة الجسم القضائي. ومع ذلك، غالبًا ما اصطدمت هذه الجهود بعقبات سياسية وخلافات حول الصلاحيات والشرعية.

الأزمة الحالية تُلقي بظلالها على هذه الجهود، وتُبرز عمق الخلافات التي لا تزال قائمة. يرى مراقبون أن التدخلات السياسية في الشأن القضائي هي أحد الأسباب الرئيسية لعدم إحراز تقدم ملموس في توحيد القضاء، مما يضر بمبدأ سيادة القانون.

اعتبرت نقابات المحامين ومنظمات المجتمع المدني هذه التطورات مقلقة، وأكدت على ضرورة الحفاظ على استقلالية القضاء كركيزة أساسية للدولة الليبية. ودعت هذه الجهات إلى تغليب المصلحة الوطنية وتجنب المزيد من التصعيد الذي قد يُعقّد الأوضاع.

تداعيات الأزمة على الاستقرار السياسي

تُعد هذه الأزمة القضائية انعكاسًا وتصعيدًا للخلافات السياسية الأوسع في البلاد، وتؤثر بشكل مباشر على مسار الانتقال الديمقراطي. القضاء المستقل والفاعل ضروري لإجراء انتخابات نزيهة ولضمان المساءلة والعدالة، وهي عناصر حيوية للاستقرار.

في ظل غياب دستور دائم وإطار قانوني متفق عليه بشكل كامل، يصبح القضاء ساحة للصراع على النفوذ. هذا الوضع يحد من قدرة الجهاز القضائي على أداء مهامه بفعالية، ويُضعف ثقة المواطنين في النظام العدلي.

أكدت مصادر مطلعة أن هذه الأزمة يمكن أن تؤخر أي اتفاقات محتملة حول الانتخابات الليبية، حيث أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يتطلب جهازًا قضائيًا متوافقًا وموحدًا قادرًا على حل النزاعات القانونية.

يهدد استمرار الانقسام القضائي بتعميق أزمة الشرعية في البلاد، حيث تظل هناك أكثر من جهة تتنازع على السلطة والإصدارات القانونية. هذا الوضع يترك الليبيين في حالة من عدم اليقين بشأن من يتمتع بالشرعية لسن القوانين وإنفاذها.

من المتوقع أن تستمر المفاوضات واللقاءات بين أطراف الأزمة القضائية والفاعلين السياسيين سعياً لحل التوترات الحالية. يُنتظر أن تُعقد جولة جديدة من المحادثات برعاية دولية في الأسابيع القادمة، بهدف التوصل إلى آلية توافقية لتعيين رؤساء الهيئات القضائية وتوحيد المؤسسات القضائية. يبقى السؤال المحوري هو ما إذا كانت الأطراف المعنية ستتمكن من تجاوز خلافاتها العميقة لإنقاذ ما تبقى من استقلالية القضاء الليبي.