واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

في تحول دبلوماسي لافت، تتخذ واشنطن موقفاً أكثر صرامة تجاه الجيش اللبناني، مشددةً على ضرورة نزع سلاح حزب الله. يأتي هذا التصعيد في الضغوط تزامناً مع مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ويعكس نفاد الصبر الأمريكي من الوعود المتكررة دون أفعال ملموسة، مهدداً بوقف المساعدات الأمريكية للجيش اللبناني ما لم يتخذ خطوات جادة.

أفادت مصادر رفيعة المستوى داخل الكونغرس الأمريكي، رافضة الكشف عن هويتها، لـ”الشرق الأوسط” أن الحزب الجمهوري “سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك”. وتؤكد هذه المصادر أن “الوقت قد حان الآن للقيام بعمل جاد”، مشيرة إلى أن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تقتضي ضمان إنفاقها في “غايات مجدية”، خاصة في ظل التدقيق المتزايد خلال إدارة ترمب.

واشنطن تشدّد شروطها على الجيش اللبناني

يعكس التوجه الأمريكي الجديد إشارات واضحة وصريحة من شخصيات مؤثرة في مجلس الشيوخ. فقد أكد رئيس لجنة القوات المسلحة، السناتور الجمهوري روجر ويكر، عبر منصة (إكس) أنه “على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور”. واعتبر ويكر أن مقتل عنصر فرنسي من قوات اليونيفيل في جنوب لبنان على يد “حزب الله” يشكل “اختباراً حاسماً للجيش اللبناني”.

من جانبه، انضم رئيس لجنة العلاقات الخارجية، السناتور الجمهوري جيم ريش، إلى ويكر مطالباً الجيش اللبناني باتخاذ “خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل”. ولم يكتفِ ريش بذلك، بل شدد على ضرورة وفاء الحكومة اللبنانية بوعودها “المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي”، مختتماً بقوله الحاسم: “لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط”. هذه التصريحات القوية تشير إلى تحول جذري في السياسة الأمريكية تجاه لبنان، مع نهاية عصر الدعم غير المشروط.

شكوك أميركية حول قائد الجيش ودور حزب الله

تتزايد الشكوك في واشنطن بشأن أداء قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، فيما يتعلق بملف نزع سلاح حزب الله. ورغم تحفظ غالبية المسؤولين الأمريكيين عن المطالبة بإقالته علناً تفادياً للتدخل في الشؤون الداخلية، أبدى السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام موقفاً مختلفاً. ففي مقابلة مع “فوكس نيوز”، صرّح غراهام بوضوح: “لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب”.

وأضاف غراهام أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يتحقق “ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب”. وقد أثار هيكل سابقاً جدلاً في الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير الماضي، عندما رفض، حسب قول غراهام، الاعتراف بأن “حزب الله” منظمة إرهابية. وقال غراهام: “التقيتُ للتو بشكل مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكل مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيت الاجتماع”. هذا الموقف يثير تساؤلات جدية حول مدى قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ المطالب الأمريكية.

في مقابل التحذيرات من عدم وجود بدائل للجيش اللبناني، تصر المصادر في الكونغرس على أنه “لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى”. و تؤكد هذه المصادر على ضرورة فرض شروط قاسية للإفراج عن المساعدات، معتبرة أن المسار “الإيجابي” للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل يوفر فرصة لتغيير النهج القديم الذي لم يحقق أهدافه.

دور جديد للقيادة المركزية الأميركية

يعكس إعلان الرئيس الأمريكي، في خطابه “جعل لبنان عظيماً مجدداً”، تكليفه لوزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان على “تحقيق سلام مستدام”، تحولاً في الدور العسكري الأمريكي. يرى البعض في تكليف كاين دليلاً على انخراط عسكري أمريكي أعمق في دعم الجيش اللبناني، بخلاف “المراقبة” السابقة التي كانت محدودة الفعالية.

السفير الأمريكي السابق إلى لبنان ديفيد هايل، في ندوة بمعهد الشرق الأوسط، أكد أن أمريكا بحاجة إلى “أكثر من المراقبة”. واقترح هايل أن يكون هناك ضباط أمريكيون داخل مكاتب الجيش اللبناني لتقديم المشورة والمعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً، مما سيعزز ثقة الجنود اللبنانيين ويمنحهم “الدعم الحقيقي” في مهامهم.

الإصلاحات الاقتصادية والعقوبات المحتملة

لا يقتصر الضغط الأمريكي على نزع سلاح حزب الله، بل يمتد ليشمل ضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية. فقد شدد السيناتور ريش على ضرورة وفاء الدولة اللبنانية بوعودها “المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي”.

توضح المصادر أن “فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه”. وتشير إلى أن الطبقة السياسية اللبنانية “لا تبدي استعداداً” لتحمل المسؤولية وتترجم الأقوال إلى أفعال، مما يدفع واشنطن إلى التساؤل عن جدوى الاستمرار في “إنقاذها”. ويركز أعضاء الكونغرس البارزون على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومراقبته لتحديد مدى تجاوبه مع المطالب الأمريكية، مع احتمالية فرض عقوبات على المعرقلين.

منذ عام 2006، قدمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار كمساعدات عسكرية للجيش اللبناني. وفي عهد ترمب الثاني، أعلنت واشنطن عن حزمة مساعدات تزيد عن 117 مليون دولار في يناير 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701. وافقت الإدارة في أكتوبر 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني. كما شملت حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار معدات “لتعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)”.

في الختام، يواجه الجيش اللبناني، والقيادة اللبنانية ككل، لحظة حاسمة. فالمساعدات الأمريكية، التي كانت تُمنح دون شروط واضحة في السابق، أصبحت الآن مرتبطة بشكل مباشر بتنفيذ مطالب واشنطن بنزع سلاح حزب الله والإصلاحات الاقتصادية. سيبقى التركيز خلال الأيام القادمة على مدى استجابة الجيش اللبناني والحكومة لهذه الضغوط المتزايدة، وما إذا كانت التهديدات الأمريكية بتحجيم الدعم ستدفع لبنان نحو مسار جديد ينهي عقد التراخي ويحقق الاستقرار المنشود.