مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

في تطور أدبي واجتماعي لافت، تعيد مذكرات ضحايا العنف طرح تساؤلات جوهرية حول الكتابة كفعل مقاومة وشفاء. ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزيل بيليكو، ضحية قضية “مازان” الشهيرة، بعنوان “وبهجة العيش” في فبراير 2026، تتجدد النقاشات حول قدرة السرد على توثيق العنف وتحويل التجربة الشخصية إلى فعل سياسي وأدبي مؤثر، متجاوزة حدود الملفات القضائية.

حققت مذكرات بيليكو نجاحاً باهراً، حيث تجاوزت مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر وتُرجمت إلى 22 لغة، ما يعكس تعطش القراء لفهم عمق التجربة الإنسانية في مواجهة العنف. هذه المذكرات، بالتعاون مع الإعلامية جوديت بيريغنون مايلي، لا تسعى لتقديم سرد إضافي لقضية جنائية، بل تطرح تحدياً أعمق: كيفية الكتابة عن العنف دون تحويله إلى مجرد فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تُحدِث تأثيراً يتعدى حدود الألم الفردي.

مذكرات ضحايا العنف: من التوثيق إلى التغيير الاجتماعي

تُعد مذكرات جيزيل بيليكو استمراراً لتقليد أدبي طويل بدأ مع بريمو ليفي وكتابه “هل هذا إنسان؟” عام 1947، حيث سعى ليفي إلى تثبيت ما جرى في أوشفيتز وتحصينه من النسيان. لكن كتاب بيليكو، شأنه شأن أعمال شهادية أخرى، يتجاوز التوثيق ليُمسك بسؤال جوهري: ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز الرواية؟ تعبر بيليكو عن رغبتها في وضع “كلمات على ما اجتزته”، مؤكدةً “أنني ما زلت حية”، وهو ما يُمثل إعلاناً رمزياً لاستعادة حياة سُرقت وتحدياً لمن حاولوا طمس وجودها.

إن إرادة استعادة الحياة والرفض القاطع لدور الضحية يتجلى في شعار كتابها: “لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي.” هذا الموقف ليس بكاءً على الذات أو مطالبة بالشفقة، بل هو تعبير عن إصرار على المسؤولية المجتمعية والقدرة على النهوض من الرماد.

أدب الشهادة: فن بناء الواقع لا سرده

تكمن قوة مذكرات بيليكو، والعديد من أعمال أدب الشهادة الأخرى، في طريقة بنائها السردي. لا تتبع بيليكو التسلسل الزمني للأحداث، بل تُشيّد روايتها “طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف”. هذا الأسلوب يسمح للقارئ بالتوغل ببطء في الفضاء النفسي والاجتماعي الذي عاشت فيه بيليكو لسنوات، بدلاً من تلقي العنف كحقيقة جاهزة ومجردة. يميز الناقد الفرنسي فيليب لوجون هذا النوع الأدبي بـ”الميثاق الرجعي” مع الواقع، وهو عقد ضمني بين الكاتب والقارئ يفرض على هذا الأخير مسؤولية المعرفة بما حدث.

تاريخ الأدب مليء بأمثلة على مذكرات ضحايا العنف التي غيرت مسارات الوعي. من “أعرف لماذا يُغني الطائر في القفص” لمايا أنجيلو التي أعادت تعريف الهوية الأمريكية من خلال جرح التمييز العرقي والجنسي، إلى نوال السعداوي في الفضاء العربي التي تجرأت على سرد ما يُسكت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري. هذه الأعمال أثبتت أن الاعتداء الجنسي قد لا يُبطل الصوت بل يؤجله، ليعود أقوى وأكثر تأثيراً.

تأثير “شهادات الضحايا” على الوعي والتشريع

لم يقتصر تأثير مذكرات ضحايا العنف على الأدب، بل امتد إلى الفضاء الاجتماعي والتشريعي. ففي فرنسا، أشعل كتاب كاميل كوشنر “العائلة الكبيرة” (La Familia Grande) عام 2021 حركة “ميتو لاغتصاب المحارم”، وفتح نقاشاً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم. هذا الكتاب، الذي لا يروي عنفاً مباشراً على صاحبته بل عنفاً شهدته وصمتت عنه سنوات، يُلقي الضوء على “دوائر السكوت المحيطة بها” ويسائل المسؤولية الجماعية.

يطرح هذا الجنس الأدبي أسئلة عميقة للكتاب: لا يقتصر الأمر على “ماذا أروي؟” بل يمتد إلى “كيف أروي؟”. أدب الشهادة الجيد يختار لغة “مستقيمة، جافَّة أحياناً”، تنحاز إلى تحديد التجربة على حساب الإيحاء، وهي ليست ضعفاً أسلوبياً بل خيار أخلاقي يهدف إلى إيصال الحقيقة بوضوح. آني إيرنو في “السنوات” وجيزيل بيليكو في مذكراتها تتبعان هذا النهج، رافضتين طلب الشفقة ومفضلتين فرض المسؤولية على القارئ.

التحديات والآفاق: نحو مستقبل يعترف بأصوات الناجين

تواجه “شهادات الضحايا” توتراً مزمناً، فـ”حين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي”. هذا التوقع قد يتحول إلى شكل جديد من الضغط، يُثقل كاهل الضحية ويحوِّلها إلى نموذج مثالي. ومع ذلك، تُجبر هذه المذكرات وسائل الإعلام على إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف، بتحويل الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع تجاه هذه القضايا.

شهدت فرنسا أمثلة سابقة على هذا التأثير، مثل شهادات إيفا توماس في “كسر الصمت” ومذكرات إيزابيل أوبري في “المرة الأولى كان عمري ست سنوات” في الثمانينيات، التي دفعت المشرّعين الفرنسيين إلى إعادة التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً. في الختام، يظل السؤال: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ من ليفي إلى بيليكو، يظل الجواب موجعاً وملزماً، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرة الانتهازية.